للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفرنج من بر دمياط، ففجروا فجرة عظيمة في النيل، وكان ذلك في قوة زيادة النيل، والفرنج لا خبرة لهم بأمر النيل، فركب الماء تلك الأرض، وصار حائلا بين الفرنج وبين دمياط، وانقطعت عنهم الميرة والمدد، فهلكوا جوعًا، وبعثوا يطلبون الأمان على أن ينزلوا عن جميع ما بذله المسلمون لهم ويسلموا دمياط، ويعقدوا مدة الصلح (١).

وكان فيهم عدة ملوك كبار نحو عشرين ملكا فاختلفت الآراء بين يدي السلطان الملك الكامل في أمرهم، فبعضهم قال: لا نعطيهم أمانا ونأخذهم ونتسلم منهم مابقي بأيديهم من الساحل من عكا وغيرها، ثم اتفقت أراؤهم على إجابتهم إلى الأمان لطول مدة البيكار (٢)، وتضجر العسكر لأنهم كان لهم ثلاث سنين وشهور في القتال معهم، فأجابهم الملك الكامل إلى ذلك، وطلب الفرنج رهينة من الملك الكامل، فبعث ابنه الملك الصالح نجم الدين أيوب، وعمره يومئذ خمس عشرة سنة إلى الفرنج رهينة، وحضر من الإفرنج رهينة على ذلك ملك عكا ونائب الباب صاحب رومية (٣) الكبرى وكندريس (٤) وغيرهم من الملوك، وكان ذلك في سابع رجب من هذه السنة، واستحضر الملك الكامل ملوك الفرنج المذكورين، وجلس لهم مجلسا عظيما، ووقفت بين يديه الملوك من أخوته وأهل بيته جميعهم، وسلمت دمياط إلى المسلمين في تاسع عشر رجب من هذه السنة، وقد حصنها الفرنج إلى غاية مايكون، وولاها السلطان الملك الكامل الأمير شجاع الدين جلدك التقوى وهو من مماليك الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وهَنَّت الشعراء الملك الكامل بهذا الفتح العظيم (٥). من ذلك ما قاله الراجح الحلى الشاعر وهو:

هنيئا فإن السعد راح مخلدا … وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدًا

حبانا إله الخلق فتحا بدا لنا … مبينا وإنعاما وعزًا مؤيدا

تهلل وجهُ الدهر بعد قطوبه … وأصبح وجه الشرك بالظلم أسودا


(١) وردت هذه الأحداث بالتفصيل في الكامل ج ١٠، ص ٣٨٠ - ص ٦١٤، أحداث ٦١٤ هـ؛ الذيل على الروضتين، ص ١٢٨ - ١٢٩؛ مفرج الكروب، ج ٤، ص ٩٢ - ص ٩٦.
(٢) البيكار: لفظ فارسي معناه الحرب عامة ومصطلحات صبح الأعشى، ج ١٥، ص ٧٠.
(٣) رومية: هما رومينان، إحداهما بالروم والأخرى بالمداين، وتقع شمالي وغربي القسطنطينية بينهما مسيرة خمسين يوما أو أكثر. معجم البلدان، ج ٢، ص ٨٦٧.
(٤) كُنْدريس: يقصد بكلمة "كند" الكلمة الإنجليزية Count ، " ك ونت" ولعله يعني لويس دوق بافاريا الذي كان أحد رهائن الصليبيين. انظر: مفرج الكروب، ج ٤، ص ٩٨، حاشية (٣).
(٥) وردت هذه الأحداث في مفرج الكروب، ج ٤، ص ٩٨ - ص ١٠٠؛ البداية والنهاية، ج ١٣، ص ١٠٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>