للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بالسيف حتى قتل جماعةً، ثم تكاثروا عليه فقتلوه، وَوَجَدَ السلطان عليه لمكان شجاعته، وعاد السلطان من الوقعة إلى مخيّم ضرب له قريب المكان، وأقام هناك إلى يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى الأولى المذكور، وركب يتشوف على القوم -على عادته- فتبعه خلق عظيم من الرجَّالة والغزاة والسُوقة، وأمرَ السلطان بردهم، فلم يرتدوا، وذلك لأن المكان كان صعبًا ليس للرجالة فيه ملجأ، ثم هجم الرجالة على الجسر، وناوشوا العدوّ، وعبر منهم جماعة إليهم، وجرى بينهم قتال شديد، واجتمع من الفرنج خلق كثير، فحملوا عليهم حملة واحدةً على غِرةً من السلطان، فإنه كان بعيدًا منهم، ولم يكن معه عسكر، وأسروا من المسلمين جماعةً وقتلوا جماعةً، وعُدّ من كان قتل من الرجالة في ذلك اليوم، فكانوا مائة وثمانين نفرًا، وقتل من الفرنج أيضًا عدّة عظيمة، وغرق أيضًا منهم عدة، وكان ممن قتل منهم مقدّم الألمانية (١)، وكان عندهم عظيمًا.

ذكر مسير السُلطان جريدة إلى عكا

ولما رأى السلطان ما حلَّ بالمسلمين في تلك الوقعة النادرة، جمع أصحابه وشاورهم وقرّر معهم أن يهجم على الفرنج، ويعبُر الجسر ويقاتلهم ويستأصل شأفتهم، وكان الفرنج قد رحلوا عن صُور، ونزلوا قريب الجسر، وبين الجسر وصور مقدار فرسخ أو أزيد منه بشيء يسير، فلما صمم العزم على ذلك، أصبح في يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الأولى على ذلك، وركب وسار وتبعه الناس والمقاتلة والعساكر، ولما وصل أواخر الناس إلى أوائلهم وجدوا اليزك عائدا، وخيامهم قد قلعت، فسئلوا عن سبب ذلك، فذكروا أن الإفرنج رحلوا راجعين إلى صُور ملتجئين إلى سورها، معتصمين بقربها، ولما رأى السلطان ذلك منهم رأى أن يسير إلى عكا ليلحظ ما بُني من سورها، ويحث على الباقي، ويعود فراح على تبنين ولم يرجع على مرج عيون، فمضى إلى عكا ورتب أحوالها، وأمر بتتمة [٦٩] عمارة سورها، وأمر بالاحتياط، ثم عاد إلى العسكر المنصور إلى مرج عيون، وأقام منتظرًا مهلة صاحب الشقيف (٢).


(١) المقصود بمقدم الألمانية في هذا الحدث فردريك برباروسا إمبراطور الدولة الغربية. انظر المقريزي، السلوك، ج ١ ق ١، ص ١٢٩، حاشية ٥.
(٢) انظر النوادر السلطانية، ص ١٠٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>