للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

للناس، وإنما معه خادمان وركبدار (١)، وخرج مرة وهو راكب فسمع ضجة عظيمة، فقال: ماهذا؟ فقيل: التَّأْذِين (٢)، فترجل عن مركوبه وسعى ماشيا، ثم صار يدمن المشى إلى الجمعة رغبة في التواضع والخشوع، ويجلس قريبا من الإمام ويستمع [٣١] الخطبة، ثم أصلح له المطبق فكان يمشى فيه إلى الجمعة، وركب في الثانى والعشرين من شعبان ركوبا ظاهرا للناس عامة، ثم تصدق بصدقات عظيمة كثيرة من سائر الأصناف على سائر الأصناف من الخلائق.

[ذكر ماجريات جلال الدين بن خوارزم شاه]

وفى هذه السنة التقى جلال الدين مع الكرج فكسرهم كسرة عظيمة، وصمد إلى أكبر معاملتهم تفليس ففتحها عنوة، وقتل من فيها من الكفرة، وسبى ذراريهم، ولم يتعرض لأحد من المسلمين الذين كانوا بها، واستقر ملكه عليها، وقد كان الكُرْج أخذوها من المسلمين في سنة خمس عشرة وخمسمائة، وهى بأيديهم إلى الآن حتى استنفذها منهم جلال الدين، فكان هذا فتحا عظيما، ولم يقدر الملوك الأول الذين هم بجوارها أن يملكوها (٣).

وفيها عصى على جلال الدين بَراق الحاجب، وطمع في البلاد أن يتملكها لِبُعْده عنها، واشتغاله بأمر الكُرج، وأرسل إلى التتار يعرفهم بما اجتمع عليه من العساكر، وأخذه بعض البلاد، ومتى أخذ الباقى عظمت مملكته، وكثرت عساكره، وسار إليكم لقصدكم، فلما سمع جلال الدين ذلك ترك قصد خلاط وسار إلى كرمان يطوى المراحل، فلما سمع براق بقرب السلطان أخذ معه ما يعز عليه، وتحصن ببعض القلاع، فَسَيَّر إليه رسولا يطيب قلبه، فأبى أن ينزل فأقرَّه جلال الدين على ما بيده، ثم وصل الخبر من تفليس أن عسكر الأشرف الذى بخلاط هزموا بعض عسكره، وأوقعوا بهم ويحثه على العود، فعاد إليها مسرعا (٤).


(١) ركبدار: وجمعها الركبدارية وهم الذين يحملون الغاشية في المواكب الكبيرة رافعين لها يلفتونها يمينا وشمالا. صبح الأعشى، ج ٤، ص ٧، ص ١٢.
(٢) "السقاين" في الأصل، والتصحيح من البداية والنهاية، ج ١٣، ص ١٢٣، حيث ينقل عنه العينى.
(٣) انظر: الكامل، ج ١٢، ص ٤٥٠ - ص ٤٥١ مسيرة منكبرتى، ص ٢١١ - ص ٢١٢؛ مفرج الكروب، ج ٤، ص ١٨١ - ص ١٨٥؛ البداية والنهاية، ج ١٣، ص ١٢١.
(٤) انظر: الكامل، ج ١٢، ص ٤٥٤ - ص ٤٥٥؛ سيرة منكبرتى، ص ٢١٣ - ص ٢١٤؛ مفرج الكروب، ج ٤، ص ١٨٦ - ص ١٨٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>