للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولما كان يوم الخميس الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، ورد في عصره نجّاب من حلب، ومعه كتاب يتضمن أن جماعة عظيمة من العدو الشمالي، خرجوا لنهب أطراف البلاد الإسلامية، ونهض العسكر الإسلامي في حلب، وأخذوا عليهم الطريق، فلم ينج منهم أحد إلا من شاء الله عز وجل، فضربت البشائر، ولم يُر يوم أحسن منه. وجاء في بقية ليلة ذلك اليوم من اليزك قايماز الحرَّاني، وذكر أن العدو قد سأل [من جانب السلطان] (٢) مَنْ يصل إليهم، ليسمع منهم حديثا في سؤال الصلح، لضعفٍ حلَّ بهم، ولم يزل أعداء الله من ذلك الوقت مكسورين الجناح، منهاضين الجانب، حتى وصل إليهم كُنْد يقال له: كُنْدهِري.

ذكر وصول الكُنْدهُرِي

هذا كان ملكا من ملوك الفرنج ومن أعيانهم، وصل في البحر في مراكب عدة، ومعه من الأموال والذخائر والمير والأسلحة والرجال عدد عظيم، فقوى بوصوله جأش الإفرنج، وحدثتهم نفوسهم بكبس العسكر الإسلامي ليلًا، وكثر هذا الحديث على ألسنة المستأمنين والجواسيس. فجمع السلطان الأمراء وأرباب الرأي واستشارهم فيما يفعل، وكان آخر الرأى أنهم يوسعون الحلقة، ويتأخرون عن العدو، رجاء أن يخرجوا ويبعدوا عن خيامهم فيُمكِّن الله منهم، ووافقهم السلطان على ذلك. فرحل إلى جبل الخَروبّة بالعساكر بأسرها، وذلك في يوم الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، وترك بقية من العسكر في تلك المنزلة كاليَزَك، مقدار ألف فارس، يتناوبون لحفظ النوبة. هذا والكتب متواصلة من عكا على أجنحة الطيور وأيدى السُّبَاح، والمراكب اللطاف تخرج ليلًا وتدخل سرقة منهم.

وكان الكندهري المذكور، قد أنفق على منجنيق كبير عظيم الشكل -على ما نقل الجواسيس والمستأمنون- ألفًا وخمسمائة دينار، وأعدَّه ليقدمه على البلد. ولما رأى المسلمون أنهم سلطوا على البلد المنجنيقات من كل جانب، وتناوبوا عليها بحيث لا يتعطل رميُها لا ليلا ولا نهارا، وذلك في أثناء رجب من هذه السنة، "وضايقوا على البلد، حركتهم النخوة الإسلامية" (١). واتفقوا على أنهم يخرجون فارسهم وراجلهم على


(١) الجملة بين الأقواس وردت في النوادر السلطانية، ص ١٣٤ كالأتي:
"ولما رأى أهل البلد ما نزل بهم من مضايقة العدو وتعلق طمعه بهم، حركتهم النخوة الإسلامية".

<<  <  ج: ص:  >  >>