للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الدين بن الفراش قاضى العسكر، بعد أن صلى به، وعاد إلى القلعة، وأنهب سماطه العام على رسم الأتراك، وأكابر الأملاك. قال: ثم حضرنا على خوانه (١) الخاص. وفي يوم الاثنين ثاني العيد بكّر وركب، ودخل الميدان والعظماء يسايرونه، وفيهم همام الدين مودود، وكان قديما في أول دولته والي حلب، فقال لنور الدين في كلامه، عظة لمن يغتر بأيامه، هل نكون ههنا في مثل هذا اليوم في العام القابل؟ فقال نور الدين: قل هل نكون بعد شهر؟ فإن السنة بعيدة! فجرى على منطقهما ما جرى به القضاء السابق، فإن نور الدين لم يصل إلى الشهر، والهمام (٢) لم يصل إلى العام. ثم شرع نور الدين في اللعب بالأكرة، فاعترضه أمير يقال له، برتقش وقال له باش، فأحدث له الغيظ والاستيحاش، وكان ذلك على خلاف مذهبه، ونهره وزجره، ثم ساق ودخل القلعة واحتجب؛ فبقى أسبوعا في منزله. ثم اتصل به مرض، وأشار عليه الأطباء بالفصد، فامتنع من ذلك، وكان مهيبا فما روجع، وانتقل يوم الأربعاء حادي عشر شوال من دار الفناء إلى دار البقاء.

وقال ابن شداد (٣): وكانت وفاة نور الدين بسبب خوانيق اعترته، عجز الأطباء عن علاجها. وقال ابن الأثير (٤): وكان نور الدين قد شرع بتجهيز المسير إلى مصر؛ لأخذها من صلاح الدين، فإنه رأى منه فتورا في غزو الفرنج من ناحيته، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر يطلب العساكر ليتركها (٥) بالشام؛ لمنعه من الإفرنج، ليسير هو بعساكره إلى مصر. وكان المانع [لصلاح] (٦) الدين من الغزو، "الخوف من نور الدين" (٧)، فإنه كان يعتقد أن نور الدين متي زال عن طريقه الفرنج أخذ البلاد منه، فكان يحتمي بهم عليه، وكان نور الدين لا يرى إلا الجدّ في غزوهم بجهده وطاقته، فلما رأى إخلال صلاح الدين بالغزو، علم غرضه، فتجهز للمسير إليه، فأتاه أمر الله الذي لا يرد. قال (٨): وحكي


(١) الخوان: كلمة فارسية معناها، سفرة الطعام، أو السماط، انظر: محمود التونجي: المعجم الذهبي، ص ٢٤٥.
(٢) "وهمام الدين" في نسخة ب.
(٣) انظر: النوادر السلطانية، ص ٤٧؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨٠.
(٤) انظر: التاريخ الباهر، ص ١٦١. حيث ينقل العيني عنه بتصرف.
(٥) "ليتركها مع ابن أخيه سيف الدين في الشام"، في التاريخ الباهر، ص ١٦١.
(٦) "من صلاح" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الباهر، ص ١٦١.
(٧) "خوف نور الدين" في الباهر، ص ١٦١، والمثبت من الأصل؛ والروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨١ وهو الأولى حسب السياق.
(٨) الضمير عائد على ابن الأثير في الباهر، ص ١٦١.

<<  <  ج: ص:  >  >>