للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

رابعاً: الحكم علي إسناد الحديث:

الحديث بإسناد الطبراني ــــ الوجه الأول المرجوح ــــ "إسناده منكر" فيه: أَبُو يَحْيَى التَّيْمِيُّ: ضعيف، وتفرد براوية الوجه المرفوع، وخالف الثقات في روايتهم للحديث موقوفاً.

وأما الحديث بالوجه الثاني ــ الراجح ــ فموقوف إسناده صحيح، والله أعلم.

وللحديث من وجهه الراجح شواهد مرفوعة في صحيح البخاري من حديث أنس، وأبي سعيد، وأبي هريرة:

فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وأبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا فَوَعَظَهُنَّ، وَقَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، كَانُوا حِجَابًا مِنَ النَّارِ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ. وفي حديث أبو هريرة: لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ. (١) وعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ، يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ. (٢)

وعلي هذا فيرتقي الحديث من وجهه الراجح بشواهده من الضعيف إلي الحسن لغيره.

خامساً: النظر في كلام المُصَنِفْ:

قال الطبراني رحمه الله: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُوسَى إِلَّا أَبُو يَحْيَى.

قلت: والأمر كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان، لكن هذا من حيث الوجه المرفوع ــــ رواية الباب ــــ أما الوجه الموقوف فقد رواه عن مُوسَى: عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، ويَحْيَى بن سعيد القطان، والله أعلم.

سادساً: التعليق علي الحديث:

يبين لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث جزاء من فقد شيئاً من أولاده صابراً محتسباً حيث أنه ينبغي علي الإنسان أن يقابل ابتلاء الله له بالصبر والرضا ولا يجزع ولا يضجر بل عليه أن يستسلم لمقادير الله التي قدرها علي عباده فالله هو الذي خلقهم وهو الذي يُنعم عليهم وهو الذي يبتليهم ويختبرهم كما تعالي في سورة الملك: ليبلوكم أيكم أحسن عملاً. فيبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من فقد شيئاً من أولاده وصبر علي ذلك ابتغاء نيله أجر الصابرين واحتسب الأجر عند الله تعالي فإنهم سوف يكونوا حجاباً وستراً له من النار يوم القيامة. ولكن هل يكون هذا الأجر وهذا الثواب لمن مات له أولاد في الصغر أم في الصغر والكبر سواء؟ فذهب كثير من العلماء إلي أن ذلك خاص لمن مات له أولاد صغار وذلك لأن الشفقة عليهم والحب لهم والرحمة بهم أشد وأعظم من الشفقة بالكبير وذلك لأن الصغير لا يتصور منه عقوق لأبويه إذ أنه ليس بمخاطب وهذا بخلاف الكبير، ثم قالوا: وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة صغيراً كان أم كبيراً. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: بَلْ يَدْخُلُ الْكَبِيرُ فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْفَحْوَى لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الطِّفْلِ الَّذِي هُوَ كَلٌّ عَلَى أَبَوَيْهِ فَكَيْفَ لَا يَثْبُتُ فِي الْكَبِيرِ الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ وَوَصَلَ لَهُ مِنْهُ النَّفْعُ وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْخِطَابُ بِالْحُقُوقِ ..... قال ابن حجر: وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ لِلصِّغَارِ أَكْثَرُ لِعَدَمِ حُصُولِ الْإِثْمِ مِنْهُم. (٣)


(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" ك/ الجنائز ب/ فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحْتَسَبَ. (١٢٥٠، ١٢٤٩).
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" ك/ الجنائز ب/ فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحْتَسَبَ (١٢٨٤).
(٣) يُنظر "فتح الباري" لابن حجر ٣/ ١٢١، ١٢٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>