للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

[البحث الثالث: مكانته العلمية وآثاره.]

ويشتمل على مطلبين:

[المطلب الأول: مكانته وعلو منزلته العلمية]

لقد تبوأ الإمام الطبراني رحمه الله مكانة علمية كبيرة ولا شك أن هذه المكانة التي تبوأها الإمام لم تأتي من فراغ وإنما يسر الله تبارك وتعالي له من الأسباب ما أهله لبلوغ هذه المكانة وعلي رأس هذه الأسباب: اختيار الله تبارك وتعالي له حتي يكون في مَصَافٍ العلماء والمُحِدِثِين. ومنها: نشأته منذ الصغر فلقد ولد وتربي في بيت علم وفضل فلقد كان أبوه من المحَدِثين من أصحاب دُحيم. ومنها: كثرة رحلاته العلمية حتي سمع من أكثر من ألف شيخ ففاق بذلك كثير من المحدِثِين أصحاب الحديث. ومنها: كثرة حديثه، وسعة حفظه، واتقاد قريحته حتي قال ابن منده: سمعتُ مِنْ الطبراني أربعة آلاف حديث بالشام. (١) وقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الشِّيرَازِيّ: كتبتُ عن الطَّبَرَانِيّ ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث، وَهُوَ ثِقَةٌ. وقال أبو الحُسَيْن بن فَارس اللّغَوِي: سَمِعت الأُسْتَاذ ابن العميد يَقُول: ما كنتُ أَظن أنَّ في الدُّنْيَا حلاوة ألذ مِنْ الرِّئَاسَة والوزارة الَّتِي أَنا فِيهَا، حَتَّى شهِدتُ مذاكرة سُلَيْمَان الطَّبَرَانِيّ وَأبي بكر الجعابي بحضرتي. فَكَانَ الطَّبَرَانِيّ يغلب الجعابي بكثرة حفظه، وكان الجعابي يغلب الطَّبَرَانِيّ بفطنته وذكاء أهل بَغْدَاد، حَتَّى ارْتَفَعت أصواتهما، ولا يكاد أَحدهمَا يغلب صَاحبه. فَقَالَ الجعابي: عِنْدِي حَدِيث لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إلا عِنْدِي، فَقَالَ: هاته، فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو خَليفَة، ثَنَا سُلَيْمَان بن أَيُّوب، وَحَدَّث بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ الطَّبَرَانِيّ: أَنا سُلَيْمَان بن أَيُّوب، وَمِنِّى سمع أَبُو خَليفَة، فاسمع مِنِّي حَتَّى يَعْلُو إسنادك، فَإنَّك تروي عن أبي خَليفَة عَنِّي، فَخَجِلَ الجعابي، وغلبه الطَّبَرَانِيّ. قَالَ ابن العميد: فوددت فِي مَكَاني أَن الوزارة والرئاسة ليتها لم تكن لي، وكنتُ الطَّبَرَانِيّ، وفرحت مثل الفرح الَّذِي فرحه الطَّبَرَانِيّ لأجل الحَدِيث، أَو كَمَا قَالَ. (٢)

وهذه المكانة العلمية التي تبوأها الإمام رحمه الله من كثرة حديثه وانتشار علمه وذيوع صيته جعل ألسنة العلماء تلهج بالثناء عليه وتُقر له بهذه المنزلة العالية وبلوغ تلك المَحِلة الرفيعة وما آل إليه الإمام مما آل إليه من بلوغ منزلة أولو العلم الذين أثني الله عليهم في كتابه إلا لإخلاص كان في قلبه، عليه من الله سحائب الرحمة والرضوان.

- قال إبراهيم بن مفلح: كَان أحد الأَئِمة الحفاظ، له تصانيف مَذْكُورَة، وآثار مَشهورة. (٣)

- وقال ابن عُقدة: ما أعلمُني رأيت أحداً أعرف بالحديث، ولا أحفظ للأسانيد من الطبراني. (٤)


(١) يُنظر "التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد" لابن نُقْطَة صـ ٢٨٥.
(٢) يُنظر "جزءٌ فيه ذكر أبي القاسم الطبراني" صـ ٤٧، "تاريخ دمشق" ٢٢/ ١٦٦.
(٣) يُنظر "المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد" لبرهان الدين ابن مفلح ١/ ٤٠٩.
(٤) يُنظر "جزء فيه ذكر أبي القاسم الطبراني" صـ ٥٣، "الثقات مما ليس في الكتب الستة" لابن قُطْلُوْبَغَا ٥/ ٩٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>