للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

أيضاً: "ثقة يرسل ويُدلس فلا يُقبل ما راوه بالعنعنة إلا إذا صرح فيه بالسماع" ولم يُصرح في هذا الوجه.

وأما الحديث بالوجه الثالث ــــ الراجح ــــ عَنْ ابْن جُرَيْج، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ. "فإسناده صحيح" وابْنِ جُرَيْجٍ وإن كان يُدلس إلا أنه صرح بالسماع في هذا الوجه. وقد تابع ابن جريج علي هذا الوجه جماعة من الثقات الحفاظ كمَالِك بْن أَنَس، وسُفْيَان بْن عُيَيْنَة، ومَعْمَر بن راشد، واللَّيْث بْن سَعْد.

وأما الحديث من حيث الطريق الثاني وهو طريق: الْأَوْزَاعِي، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ. "فإسناده ضعيف" فيه: الْوَلِيد بْن حَمَّاد: ضعيف. وفيه أيضاً: رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ. اختلط بأخرة فتُرك كما قال ابن حجر.

خامساً: النظر في كلام المُصَنِفْ:

قال الطبراني: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ إِلَّا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، تَفَرَّدَ بِهِ: سُفْيَانُ بْنُ زِيَادٍ.

قلت: والأمر كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان لكن من حيث الوجه الأول ــــ رواية الباب ـــــ عَنْ ابْنُ جُرَيجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ. وأما الحديث بالوجه الثاني عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فرواه عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بهذا الوجه: عُمَيْرُ بْنُ عِمْرَانَ. وأما الحديث بالوجه الثالث عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ. فرواه عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بهذا الوجه جماعة من الرواة وهم: عبد الرَّازَّق، وأَبُو عَاصِمٍ النبيل، ورَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، ومحمد بْنُ بَكْرٍ البرساني، والحَجَّاجٌ المصيصي.

سادساً: التعليق علي الحديث:

قال النووي رحمه الله: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ: لَا يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ فَإِنْ صَامَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ وَيَجِبُ قَضَاؤُهُ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَلِحَدِيثِ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ. وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ: يَجُوزُ صَوْمُهُ فِي السَّفَرِ وَيَنْعَقِدُ وَيُجْزِيهِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ أَمِ الْفِطْرَ أَمْ هُمَا سَوَاءٌ: فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: الصَّوْمُ أَفْضَلُ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا مَشَقَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَلَا ضَرَرَ فَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ وَاحْتَجُّوا بِصَوْمِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَغَيْرِهِمَا وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فِي الْحَالِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمُ الْفِطْرُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا، وَاحْتَجُّوا بِمَا سَبَقَ لِأَهْلِ الظَّاهِرِ وبقَوْلُهُ -صلى الله عليه وسلم- هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ. وَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ الْفِطْرِ، وَأَجَابَ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَنْ يَخَافُ ضَرَرًا أَوْ يَجِدُ مَشَقَّةً كَمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَحَادِيثِ وَاعْتَمَدُوا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَرْجِيحِ مَذْهَبِ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ تَفْضِيلُ الصَّوْمِ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا ضَرَرٍ وَلَا مَشَقَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْفِطْرُ وَالصَّوْمُ سَوَاءٌ لِتَعَادُلِ الْأَحَادِيثِ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْأَكْثَرِين. (١)


(١) يُنظر "شرح صحيح مسلم" للنووي ٧/ ٢٣٠، ٢٢٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>