للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقال آخر:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وذكرك لا يسري إلي كما يسري

وهل يدع الواشون إفساد بيننا ... وحفرا لنا العاثور من حيث لا ندري

هذا كلام متبرم بالهوى، مستقيل من الوشاة وإفسادهم، متفاد من تحريشهم وألبهم، متمن أن تنقطع أسباب الهوى، وتنقلع أغراس الود.

وقوله " ليت شعري " موضع شعري نصب لأنه اسم ليت. وقوله " هل أبيتن ليلةً " سد مسد مفعولي شعري، لأن معناه علمي، وبتعدي تعديه، وخبر ليت مضمر لايظهر. والتقدير: ليت علمي واقع، وما يجري مجراه والمعنى: أتمنى أن أعلم هل أبقى أنا ليلةً من ليالي الدهر وخيالك لايسري الساعة، وهل أرى نفسي سليمةً من رمي الوشاة وطلبهم إفساد ما بين وبينك، وحفر المغواة لنا إذا غبنا عنهم من حيث لانشعر ولاندري فنتقيه ونحذره. فإن قيل: كيف جاز أن يكنى عن الخيال بالذكر حتى قال: " وذكراك لايسري إلي "؟ قلت: إن الخيال في المنام لايكون إلا عن التذكر في اليقظة، يشهد لذلك قول أبي تمام الطائي.

نم فما زارك الخيال ولكن ... ك بالفكر زرت طيف الخيال

وهذا ظاهر وعليه مباني وصف الخيال.

والعائور: مصيدة للبهائم، ويجعل اسماً للمتالف، وهو فاعول من العثار والعثور، وكذلك استعير للنقص في الحسب، لأن صاحبه يعثر به عن غاية السابق. وانتصب قوله " العاثور " من المصدر المنون وهو حفراً، وأقوى ما يكون المصدر في العمل إذا كان منوناً، إذ كان شبه الفعل فيه أقوى. وقال بعض أصحاب المعاني: إنما يتمنى أن يملكها على حد يسقط تسوق المفسدين فيه، ويأمن التبعة معه، ويرتفع العشق والهوى من بينهما.

آخر:

إن كان هذا منك حقاً فإنني ... مداوى الذي بيني وبينك بالهجر

ومنصرف عنك انصراف ابن حرة ... طوى وده والطى أبقى من النشر

<<  <   >  >>