للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

لأن المعنى في الموضعين التنبيه على تناهي الموصوف في النعمة والرقة.

فدنت وقالت يا من ... خل ما بجسمك من حرور

ما شف جسمي غير ح ... بك فاهدئي عني وسيري

وأحبها وتحبني ... ويحب ناقتها بعيري

قوله " فدنت " أراد به دنو الشفقة، والتقرب بحسن العطفة، لا قرب المسافة. والمعنى: تأملت تغير لوني ونحولي، فاعتقدت أنه من ملازمة تبذل، ومقاساة تعمل، فأعارتني شفقتها وقالت: ما الذي بجسمك من حرورٍ، أي من أثر الحرور. وقد اختلف في السموم والحرور، فمنهم من جعل السموم بالنهار والحرور بالليل، ومنهم من يقول على العكس مما ذكرت. وقال الخليل: السموم الريح الحارة، ليلاً هبت أو نهاراً. والحرور: حر الشمس. وقوله " ما شف جسمي " يقول: أجبتها مبطلاً اعتقادها، ومكذباً ظنها، وراجعاً بالعتب عليها، وقلت: ما أنحل جسمي ولا أثر في لوني إلا حبك، فاسكني عني وسيري. ومعنى سيري هوني عليك الأمر. وعلى نحوٍ من هذا يحمل قول الله تعالى: " وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم " إذ لم يكن ثم مشىٌ ولا انطلاقٌ. ويجوز أن يكون سيري أمراً بالسير، فقد قال فيما تقدم:

فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير

وقوله: وأحبها وتحبني، هو بيان تطاول الألفة بينهما، وتواصل الصحبة في أيامهما، حتى صارت لامتداد الملازمة كما حصل التحاب بينهما حصل التألف بين بعيريهما، فإذا اتفق التباعد والافتراق، وتسلط على كل واحدٍ منهما الاشتياق، أقبل البعيران يتحابان، ويتجاذبان الوجد والنزاع كما يفعل المتحابان.

وقال باعث بن صريمٍ

سائل أسيد هل ثأرت بوائلٍ ... أم هل شفيت النفس من بلبالها

إذ أرسلوني مائحاً بدلائهم ... فملأتها علقاً إلى إسبالها

<<  <   >  >>