للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وديوانه، وقال: إن نور الدين ما بني هذه الدار إلا بسببي وحدي؛ لينتقم مني، وإلا فمن هو الذي يمتنع على كمال الدين، والله لإن أحضرت إلى دار العدل بسبب واحد منكم لأصلبنه، فإن كان بينكم وبين أحد منازعة فأرضوه مهما أمكن، ولو أتي على جميع ما في يدي، فإن خروج أملاكي من يدي أهون من أن يراني نور الدين بعين ظالم، ويسوى بيني وبين آحاد العوام، ففعلوا وأرضوا الخصوم. فجلس نور الدين في دار العدل، وقال للقاضي: ما أري أحدا يشكو من شيركوه، فأخبره الخبر، فسجد وقال: الحمد لله الذي جعل أصحابنا ينصفون من نفوسهم قبل حضورهم عندنا.

وكان نور الدين يقعد في دار العدل في كل أسبوع أربعة أيام أو خمسة (١)، ويحضر عنده العلماء والفقهاء، ويأمر بإزالة الحاجب والبواب، ويوصل إليه الشيخ الضعيف والعجوز الكبيرة، ويسأل الفقهاء عما أشكل عليه.

وكان إذا مات أحد من جنده أو قتل وله ولد؛ فإن كان كبيرا أقر الإقطاع عليه، وإن كان صغيرا رتب معه من يتولى أمره إلى أن يكبر (٢).

وما كان أحد من الأمراء يتجاسر أن يجلس عنده؛ من هيبته (٣)، فإذا دخل عليه فقير أو عالم أو رب خرقة (٤) قام ومشى إليه، وأجلسه إلى جانبه، ويعطيهم الأموال، فإذا قيل له في ذلك، يقول: هؤلاء لهم حق في بيت المال، فإذا قنعوا منا ببعضه، فلهم المنة علينا (٥).

وأسقط ما كان يؤخذ من دار بطيخ (٦)، وسوق الخيل والغنم، والكيالة، وجميع المكوس (٧). وعاقب على شرب الخمر.


(١) "وكان يجلس في الأسبوع يومين" كذا في الباهر، ص ١٦٨ ويوافق العيني في روايته ما ورد في المرآة، ج ٨، ص ١٩٤؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٩.
(٢) انظر: الباهر، ص ١٦٩. حيث يوضح نظام الإقطاع في دولة نور الدين؛ مفرج الكروب، ج ١، ص ٢٨٠ حيث تعليق د. الشيال على ذلك.
(٣) عن وقاره وهيبته، انظر الباهر، ص ١٧٢ - ١٧٣؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠١.
(٤) هم المتصوفة. والخرقة: هي خرقة التصوف. وهي ما يلبسه المريد من يد شيخه الذي يدخل في إرادته ويتوب على يده، انظر: كشاف اصطلاحات الفنون، ج ٢، ص ٢٢٤.
(٥) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٢؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠١.
(٦) دار البطيخ: محلة ببغداد كانت تباع فيها الفواكه، توجد في درب الأساكفة بجانب درب الخير، ثم نقلت إلى الكرخ، انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٥١٧؛ الدارس، ج ٢، ص ٣١٤.
(٧) عن ابطال نور الدين للمكوس انظر: ذيل تاريخ دمشق، ص ٣٢٩؛ الباهر، ص ١٦٦؛ مفرج الكروب، ج ١، ص ٢٨٠ - ٢٨١.

<<  <  ج: ص:  >  >>