للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

بقية اليوم في تلك المنزلة، وكتب الكتب إلى الأطراف باستحضار بقية العساكر، وحَضَرَ من أخبره أنه قتل من الإفرنج يوم أرسوف خيول كثيرة، وأن العرب تتبعوها فعدوها فزادت على مائة، وجرح أيضًا من خيل المسلمين شيء كثير، ثم أمر السلطان برحيل [١٢٤] الجمال إلى الرملة، وبات في تلك المنزلة.

ولما كان يوم الثلاثاء السابع عشر من شعبان، صلى الصبح ورحل، ورحل معه الثقل الصغير، وسار يريد الرملة، وأتي باثنين من الإفرنج فأمر بضرب أعناقهما. وجاء خبر من اليزك بأن الإفرنج رحلوا قاصدين يافا، وسار السلطان إلى الرملة ونزل في الثقل الكبير، وأتي باثنين من الإفرنج أيضًا فسألهما عن أحوال القوم، فذكرا أنهم ربما يقيمون في يافا أيامًا، وفي أنفسهم عمارتها وإشحانها بالرجال والعُدَد (١).

فأحضر السلطان أرباب المشورة وشاورهم في أمر عسقلان، هل تخرب أم تبقى؟ واتفق الرأي على أن يتخلف الملك العادل ومعه طائفة من العسكر قريبًا من العدو لأجل الأخبار، وأن يسير السلطان إلى عسقلان ويخرِّبها خشية من أن يتولاها الإفرنج فيأخذوا من بها من المسلمين، ويأخذوا بها القدس الشريف، ويقطعوا بها طريق مصر، فعند ذلك أمر السلطان برحيل الثقل الجمالي من أول الليل، وأمر ولده الملك الأفضل أن يسير عقيب الثقل في نصف الليل.

ثم سار السلطان في سحرة يوم الأربعاء الثامن عشر من شعبان، ووصل إلى يُبْنَي (٢) فنزل بها، وأخذ الناس راحة، ثم رحل وسار حتى أتي أرض عسقلان بعد صلاة العصر، وقد ضربت خيمته بعيدًا منها شمالي البلد في أرض طيبة، فبات بها مهمومًا بسبب تخريب عسقلان، وما نام تلك الليلة إلا قليلًا (٣).

قال قاضي القضاة بهاء الدين: فطلبني في تلك الليلة وقت السحر، وشرع في حديث عسقلان وتخريبها، وأحضر ولده الملك الأفضل وشاوره في ذلك وقال: والله لإن أفقد أولادي بأسرهم أَحبّ إلىَّ من أن أهدم منها حجرًا واحدًا، ولكن إذا قضى الله بذلك وعيّنه لحفظ مصلحة المسلمين فكيف أصنع (٤)؟.


(١) النوادر السلطانية، ص ١٨٦.
(٢) يُبْنَي: بليد قرب الرملة. انظر: معجم البلدان، جـ ٥، ص ٤٢٨ (ط دار صادر - بيروت).
(٣) انظر أخبار تخريب عسقلان في الكامل جـ ١٠، ص ٢٠٧ - ٢٠٩.
(٤) نقل العينى هذا الخبر من الروضتين، جـ ٢، ص ١٩٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>