للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فاضلًا كثير الورع، تفقه على محمد بن يحيى بن منصور النيسابوري الشافعي، أستاذ المتأخرين الذي تفقه على الإمام الغزالي، وكان الخبوشاني يستحضر كتاب "المحيط في شرح الوسيط" تصنيف شيخه النيسابوري المذكور، حتى نقل عنه أنه عدم الكتاب فأملاه من خاطره. وله كتاب "تحقيق المحيط" وهو كبير. قال القاضي: رأيته في ستة عشر مجلدًا. ولما استقر السلطان صلاح الدين -رحمه الله - يملك الديار المصرية قربّه وأكرمه، وكان يعتقد في علمه ودينه، ويقال: إنه أشار بعمارة المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي -رحمه الله - وعَمَّرها في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وفي هذه السنة أيضا بني المارستان الذي في القصر بالقاهرة، فلما عمَّرها فوض تدريسها إليه. وكانت ولادته في الثالث عشر من رجب سنة عشر وخمسمائة من الهجرة بأستوا خبوشان.

وفي المرأة: كان الخبوشاني يلقب بالنجم، قدم الديار المصرية وأظهر الناموس وتزهّد، وكان يركب الحمار فنفق (١) على السلطان وأهله، وأعطاه السلطان مالًا فبني به المدرسة التي إلى جانب الشافعي. وكان كثير الفتن، منذ دخل مصر إلى أن مات ما زالت الفتن قائمة بينه وبين الحنابلة، وابن الصابوني، وزين الدين بن نجيّة، ويكفّروه ويكفرهم. وكان طائشًا متهورًا، نبش ابن الكيزاني وأخرج عظامه من عند الشافعي، وكان يصوم ويفطر على خبز الشعير، فلما مات وجدوا له ألوف دنانير، وبلغ صلاح الدين فقال: ياخيبة المَسْعى، وكان يبعث إليه بالصدقات فيأخذها لنفسه، ولما توجه سيف الإسلام إلى اليمن جاء إليه يُودعه ويستقصي حوائجه، فقال له الخبوشاني: لي إليك حاجة، قال: ما هي؟ قال: تضرب رقبة كل مَنْ في المدينة ومكة، وتأخذ أموالهم وتسبي نساءهم، وقد أبحت لك ذلك، فقام سيف الإسلام من عنده وهو يسبه، وقال: انظروا إلى هذا الرقيع يبيح دماء جيران الله ودماء أهل [١٣٤] بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت وفاته في صفر، وسكنت الفتن واصطلح الناس، وقالوا: هذا فتوح ثاني. وكان سيء الأخلاق قبيح العشرة. وقال ابن خلكان: وكانت وفاته يوم الأربعاء الثاني والعشرين من ذي القعدة من سنة سبع وثمانين وخمسمائة بالمدرسة المذكورة، ودفن في قُبّة تحت رجلى الشافعي - رضي الله عنه - وبينهما شباك.


(١) لعله يقصد النفاق في الدين. انظر: القاموس المحيط. مادة "نفق" وقد وردت الكلمة في النجوم الزاهرة، ج ٦، ص ١١٥ "فيقف".

<<  <  ج: ص:  >  >>