للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والشام ومصر، وقهروا جميع الطوائف التي بتلك النواحي الخوارزمية والقفجاق والكرج واللان والخزر وغيرهم، وقتلوا في هذه السنة من المسلمين في بلدان متعددة كبار ما لا يحد ولا يوصف. وبالجملة فلم يدخلوا بلدًا إلا قتلوا جميع من فيه من المقاتله والرجال، وكثيرا من النساء والصبيان، وأتلفوا ما فيه بالنهب إن احتاجوا إليه، وبالحريق إن لم يحتاجوا إليه، حتى أنهم كانوا يجمعون الحرير الكثير الذي يعجزون عن حمله فيطلقون فيه النار وهم ينظرون إليه، ويخربون المنازل، وما عجزوا عن تخريبه أحرقوه، وأكثر ما يحرقون المساجد والجوامع - لعنهم الله - وكانوا يأخذون الأسارى من المسلمين فيقاتلون بهم ويحاصرون بهم وإن لم ينصحوا في القتال قتلوهم.

وقال ابن الأثير (١) (رحمه الله): لو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله آدم (عليه السلام) وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها، ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعل بخت نصر ببني إسرائيل من القتل وتخريب بيت المقدس. وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس (٢)؟! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى "من" (٣) قتلوا؟! فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلائق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إلا يأجوج ومأجوج، وأما الدجال فإنه يبقى على من اتبعه ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا الرجال والنساء والأطفال، وشقوا بطون النساء الحوامل وقتلوا الأجنة (٤). وقتلوا الصلحاء والعلماء والزهاد والعباد، وأخربوا الجوامع والمساجد، وأحرقوا المصاحف، ورمي الله الخذلان في المسلمين حتى أن امرأة من التتار دخلت دارا وفيها جماعة من المسلمين فقتلت البعض وأسرت الباقين، وهم يظنون أنها رجل، ولما وضعت السلاح وجدوها امرأة فقتلها بعض من أسراها (٥).


(١) الكامل، ج ١٠، ص ٣٩٩.
(٢) "في ما البيت المقدس" كذا في الأصل والمثبت من الكامل، ج ١٠، ص ٣٩٩، حيث ينقل منه العيني.
(٣) "ما"، كذا في الأصل والمثبت من الكامل، ج ١٠، ص ٣٩٩.
(٤) إلى هنا توقف العينى عن النقل من الكامل، ج ١، ص ٣٩٩، وورد هذا الحدث أيضا في البداية والنهاية، ج ١٣، ص ٩٤.
(٥) وردت هذه الأحداث بتصرف في الكامل، ج ١٠، ص ٤١٢؛ البداية والنهاية، ج ١٣، ص ٩٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>