للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

طعامًا فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموني، فقرأت: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)} ونحن نعبد ما تعبدون. فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} (١) فالصلاة حضور كامل والخمرة غياب كامل .. لذلك بدأ الإِسلام يفتح القلوب والعيون على قوائم الفواجع التي يحدثها ذلك الغياب وترتكبها الخمرة باسم النشوة .. لكن هذه الآية لم تشر إلى تحريم الخمر إنما تنهى عن الصلاة في حالة السكر .. مما جعل عمر بن الخطاب يبتهل إلى الله قائلًا:

(اللَّهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا) (٢) فهناك من يشربها في الأوقات الطويلة التي لا صلاة فيها .. كالوقت بين العشاء والفجر أو بين الفجر والظهر .. لكن أثر الخمرة لم يقتصر على إفساد الصلاة .. إنها تنتهك العقل .. تغيبه فينطلق الإنسان متحررًا من كل قيد .. من كل شيء .. تمحي أمامه الفواصل .. وتنهار في طريقه الأخلاق والآداب .. يذوب الخطأ بالصواب والجريمة بالفضيلة .. الخمرة تنطلق بالإنسان من الإنسان .. تمسخه حيوانًا لا يفكر بشيء ولا يعبأ بشيء .. جسدًا يدوس كل شيء حتى ولو كان هذا الشيء أبًا .. وينتهك كل شيء حتى ولو كان هذا الشيء أمًا .. عمر بن الخطاب يبحث عن بيان شاف .. وعلي بن أبي طالب يبحث عن مهرٍ لفاطمة فهذا المهر قد ضاع .. يبحث عليٌ فلا يجد سوى ما يسد به رمقه .. ويواصل بحثه فلا يجد شيئًا .. لكنه يجد مولاةً له تشعر بتجوال فاطمة بين أضلاعه .. فتقول له: (هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قلت: لا، قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول


(١) حديث صحيح. صححه الألباني (صحيح الترمذيُّ ٣/ ٣٩).
(٢) حديث صحيح. رواه أبو داود وصححه الإِمام الألباني (٢/ ٦٩٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>