للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

على صلاح الدين، فقُتِلوا دونه. واستمر صلاح الدين محاصرًا لحلب إلى مستهل رجب، ثم رحل عنها؛ بسبب نزول الفرنج على حمص، وذلك أن أهل حلب راسلوا قومص (١) صاحب طرابلس، ووعدوا له بأموال جزيلة، إن هو رَحَّلَ عنهم السلطان صلاح الدين، وكان هذا اللعين قد أسره نور الدين معتقلا مدة عشر سنين، ثم فاداه على مائة ألف دينار وألف أسير من أسارى المسلمين، وكان لا ينسى ذلك لنور الدين، فركب قومص -لعنه الله- من مدينة طرابلس في جيشه، فلم يتجاسر على مقابلة صلاح الدين، بل قصد حمص؛ ليأخذها بغتة. وركب إليه السلطان، وقد أرسل سريةً إلى بلده، فقتلوا منها وأسروا وغنموا، فلما اقترب السلطان منه نكص على عقبه، وكر راجعا إلى بلده، وتراءى أنه قد أجاب إلى ما سألوا، فوصل صلاح الدين إلى حماة وسار إلى حمص، فرحل الفرنج عنها، وحصر قلعتها وملكها في الحادي والعشرين من شعبان، ثم سار إلى بعلبك فملكها (٢)، ولما استقر صلاح الدين في هذه البلاد أرسل الملك الصالح بن نور الدين إلى ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل؛ يستنجده على صلاح الدين، فجهز جيشه، صحبة أخيه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، وجعل مقدم جيشه أكبر أمرائه، وهو عز الدين محمود، ولقبه سلفندار، ووصلوا إلى حلب، وانضم إليه عسكر حلب، وساروا إلى صلاح الدين، وأرسل صلاح الدين يبذل حمص وحماة، وأن يقر بيده دمشق، ويكون فيها نائبا للملك الصالح بن نور الدين، وإنما فعل ذلك صلاح الدين؛ لقلة الجيش الذي معه بالنسبة إلى جيش هؤلاء. فامتنع من المصالحة الخادم [سعد الدولة] (٣) كمشتكين، إلا أن يجعل لهم الرحبة (٤) التي بيد ابن عمه ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه، فقال: ليس لى ذلك ولا أقدر عليه، فأبوا الصلح، وأقدَموا على القتال، فجعل صلاح الدين جيشه كردوسًا (٥) واحدًا، وذلك يوم


(١) القومص تعريب للكلمة اللاتينية (Comes) والتي سارت في اللغة الفرنسية (Comte) والمقصود هنا الكونت ريموند الثالث صاحب إمارة طرابلس الصليبية، ولقبه الصنجيلي في المراجع الإسلامية. انظر: الكامل في التاريخ، ج ١٠، ص ٦٨.
(٢) ورد هذا النص بتصرف في السلوك، ج ١ ق ١، ص ٥٩؛ البداية والنهاية، ج ١١، ص ٢٨٩.
(٣) ما بين الحاصرتين إضافة من البداية والنهاية للتوضيح، ج ١١، ص ٢٩٠.
(٤) الرحبة: قرية من قرى الشام. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٧٦٢.
(٥) الكردوسة: طائفة عظيمة من الخيل والجيش. انظر: المعجم الوسيط ماده "كردس"، وقد فسرها دوزي بأنها الفرقة الحربية الراكبة والجماعة العظيمة من الخيل. Dozy: Supp. Dict. Ar

<<  <  ج: ص:  >  >>