للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[أهمية الدعاء ومدى ارتباطه بشهر رمضان وبالنصر على الأعداء]

إن شهر رمضان فرصة عظيمة للدعاء والتضرع، قال الله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة:١٨٦] , وهذه الآية في وسط آيات الصيام؛ لتعلم أن الأمور تتحدد في المحاريب، وأن تغيير الحياة على وجه الأرض يتحدد وتعطى وتوهب ويمن عليك وأنت في المحراب: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} [آل عمران:٣٩]، فقد أعطي النبي صلى الله عليه وسلم النصر في غزوة بدر في الليلة السابقة منها وفي يومها قبل أن تبدأ المعركة، وذلك عندما قام النبي صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي طوال الليل، وقد نام الصحابة استعداداً للمعركة، كما يروي علي رضي الله عنه قال: (ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يصلي ويبكي، ويتضرع إلى الله عز وجل).

ومن شدة دعائه واستغاثته يشفق عليه صاحبه الصديق أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ويلتزمه من خلفه، ويضع رداءه الذي سقط عنه من شدة رفع يديه في الدعاء، وكان ذلك في يوم بدر في السابع عشر من رمضان، يقول: (يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك، فإن ربك منجز لك ما وعدك) وهكذا أُعطيَ النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم النصر في غزوة الأحزاب، وذلك بانصراف الأحزاب عن المدينة وهزيمتهم هزيمة منكرة بفضل الله سبحانه وتعالى، ففي ليلة الأحزاب قبل أن ينصرفوا، قام الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، ثم قال: (من يأتيني بخبر القوم ويكون رفيقي في الجنة؟)، فلم يجبه أحد، فيتركهم ويصلي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ثلاث مرات، ثم يأمر حذيفة ليأتيه بالخبر، ويعود حذيفة بالخبر السار المفرح برحيل الأحزاب، وأن الله فعل بهم ما فعل من زلزلتهم وهزيمتهم حين ألقى الرعب في قلوبهم فانصرفوا.

كذلك عندما أُعدت مريم عليها السلام لتحمل هذه المهمة الثقيلة الشديدة بأن تلد المسيح عليه السلام من غير أب، قيل لها أولاً: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران:٤٣]، وبعد أن عرفت فضل الله عز وجل عليها، قيل لها: {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:٤٢]، فيا أهل الإسلام! قد اصطفاكم الله على الأمم، ومن عليكم بالقرآن العظيم، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين، واقنتوا لربكم واسجدوا واركعوا مع الراكعين، وقوموا الليل إلا قليلاً، ورتلوا القرآن ترتيلاً، واذكروا الله ذكراً كثيراً، وتضرعوا إلى الله عز وجل، من منا من شدة دعائه وكثرته يقول له صاحبه: كفاك مناشدتك ربك، فقد وعد الله عز وجل بإجابة الدعاء عباده المؤمنين، فقال: {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:١٨٦]، وقوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:٦٠]، أندرك حجم الأزمة التي نحن فيها حتى يكون دعاؤنا مناسباً لهذه الأزمة؟! أندرك قدر المصيبة التي نزلت بالمسلمين حتى يكون دعاؤنا في هذا الشهر مفتاحاً لأبواب الخيرات ومغلاقاً لأبواب السيئات، ونكون على قدر المسئولية؟! هل ندري كم من المسلمين يتألم في المشارق والمغارب؟! هناك من يتألم لفقد حبيب، أو أسر قريب، أو يتألم لضياع مسكن وهدمه، أو يتألم من جراح أصابته، أو يتألم مما أصاب أمته، أو عرضه وأهله، أو وطنه، أو يتألم لما أصاب أرض المسلمين في المشارق والمغارب، وما أصابهم في حرماتهم التي انتهكت وثرواتهم التي نهبت وبلادهم التي احتلت، كم قدر المصيبة التي نحن فيها؟! هل يتناسب دعاؤنا واجتهادنا مع ذلك، أم أننا ما زال دعاؤنا على الطعام والشراب، وعلى إصلاح أحوال التجارة والأموال، وعلى نجاح الأولاد في الامتحانات، وعلى كذا وكذا من أمور الدنيا؟! هل نفوسنا ارتفعت عن ذلك، أم أننا ما زلنا نعيش في الحضيض؟! نسأل الله عز وجل العافية.

نريد أن نرتفع عباد الله في هذا الشهر، فهو شهر الارتفاع وشهر القيام لا الرقاد، وشهر سمو الروح بولادتها من جديد على يد نبي الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن العظيم.

نسأل الله عز وجل أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اليهود والنصارى والمنافقين، وسائر الكفرة والملحدين، أصحاب الضلالة ودعاة السوء.

اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم.

اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، سريع الحساب، اهزم الكافرين وانصرنا عليهم.

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً.

اللهم انشر لنا من رحمتك وهيئ لنا من أمرنا مرفقاً.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيماناً واحتساباً فغفرت له، واجعلنا ممن قام رمضان إيماناً واحتساباً فغفرت له.

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.

اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.

اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين.

اللهم إنا نسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما علمت الوفاة خيراً لنا.

اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيماً لا ينفد، ونسألك قرة عين لا تنقطع، ونسألك برد العيش بعد الموت، ونسألك الرضا بعد القضاء، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.

ربنا امكر لنا ولا تمكر علينا، ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا.

اللهم اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، لك مطواعين، لك رهابين، لك مخبتين، إليك أواهين منيبين.

اللهم تقبل توبتنا، واغفر حوبتنا، وثبت حجتنا، وأجب دعوتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.