للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[أدب يوسف وافتقاره إلى الله]

امتحن سيدنا يوسف في السراء والضراء، ونجح في كل الامتحانات صلى الله عليه وسلم؛ ليكون قدوة للعالم.

وسبب هذه العصمة هو الإخلاص، فداء العشق وداء الشهوة يعالج بشدة الإخلاص وإرادة وجه الله، فيطرد من القلب إرادة غيره، ففي قراءة قال الله عن يوسف: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ} [يوسف:٢٤]، وفي أخرى: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف:٢٤] وهذا يدلك على أنك بتوفيق الله سوف تعصم، وباللجوء إلى الله عز وجل يعصمك سبحانه، ويصرف عنك كيد الكائدين، وسيدنا يوسف عمل هذا فقال: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} [يوسف:٣٣] أي أن: نفسه ستودي به لكن يا رب! أنت الذي تعصمني وأنت الذي تنجيني: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ}، فاتهم نفسه، وشك فيها أيضاً، فافتقر إلى الله، ودعاه أن يصرف عنه إرادة نفسه أن تميل إليهن، وقال: {وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف:٣٣] فربنا هو الذي يعلمه.

ولذلك نجد سيدنا يوسف في كل المواطن ينسب الفضل إلى الله، ولا ينسبه إلى نفسه أبداً، مثل قوله: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} [يوسف:١٠١] حتى الدين يفتقر في التوفيق فيه إلى الله عز وجل، {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف:١٠١].

ويقول الله على لسان يوسف: {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف:١٠٠] فالرؤيا قد تحققت ولكن من أدب سيدنا يوسف أنه قال: ((قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)).

وكذلك من أدبه أنه لم يقل: وقد خرجت من السجن، وإنما قال: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف:١٠٠].

وكذلك لم يقل: وجئتم من البدو، وإنما قال: {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يوسف:١٠٠].

وانظروا أدبه: حيث وعد إخوته ولم يخلف الوعد، وعدهم بقوله: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف:٩٢] فلا لوم ولا عتاب، ولذلك لم يقل: من بعد أن نزغ الشيطان في قلوب إخوتي، ومن بعد أن عمل إخوتي ما عملوا، ومن بعد أن آذوني هذا الأذى، بل قال: ((مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)).

وكل هذه الأشياء من تعليم أبيه بعد تعليم الله عز وجل؛ لأن أباه هو الذي قال له: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف:٥]، فنسب الفعل إلى الشيطان، وقال له: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} [يوسف:٦] وكل هذه الألفاظ التي نسب فيها يوسف الفضل إلى الله مليئة بالافتقار.

فهذه الدرجة الأولى من درجات افتقار يوسف إلى الله عز وجل.

والدرجة الثانية من درجات افتقاره: أنه عليه السلام في كل شيء قد نسب الفضل فيه إلى الله، ولم ينسب لنفسه فضلاً أبداً، وأبوه هو الذي علمه ذلك.

فهذه هي التربية الإيمانية العالية، والارتباط بالأسماء والصفات، وقد قال له أبوه في أول القصة: {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [يوسف:٦] وقالها سيدنا يوسف في آخر القصة: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف:١٠٠].