للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الله سبحانه وتعالى مالك السماوات والأرض ومن فيهن]

المعنى الثاني من معاني الربوبية: أنه سبحانه وتعالى مالك من في السموات ومن في الأرض، فهو المالك لكل ذرات هذا الكون وما فوق هذه الذرات، قال الله تعالى: {أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [يونس:٣١].

وهذا المعنى من أوضح المعاني وأجلها عند التأمل والتدبر في هذا الكون، فالخلق كلهم لا يملكون شيئاً، وتأمل لحظات الإنسان وهو في بداية نشأته كيف كان عدماً محضاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (كان الله ولم يكن شيء غيره)، ثم وجد بعد ذلك كروح بعيدة عن الجسد، ثم أذن الله عز وجل في وقت معين أن تدخل هذه الروح إلى هذا الجسد، وقدر سبحانه وتعالى أن يوهب الإنسان السمع والبصر والفؤاد واليد والرجل، وسائر الحواس التي صار بها في ظاهر الأمر وفيما يبدو للناس يأمر وينهى، ويملك مالاً، وأرضاً وداراً، ويملك أن يعطي ويمنع، والحق أن ذلك كله عارية مستردة.

وتأمل فقه أم سليم رضي الله تعالى عنها وهي تقول لزوجها أبي طلحة وقد قبض ابنها، وهي أمه التي مات على يديها، تقول له: يا (أبا طلحة! أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت ثم أرادوا أخذ عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك) فأنت أيها الإنسان عارية مستردة، فسمعك وبصرك، وكل ما في يدك من مال، أو ما تحت تصرفك من قوة وجاه وسلطان، وما أعطاك الله عز وجل من أهل ومنزلة وغير ذلك كله عارية مستردة لا تملكه ملكاً حقيقياً، بل أنت فقير من كل جهة من جهاتك، فتذكر البداية وتذكر النهاية؛ لتعلم أن الله عز وجل هو المالك الحق، وأنه هو الغني الحميد {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [فاطر:١٥ - ١٧].

إن الله سبحانه وتعالى مالك يوم الدين، وهو مالك كل الأيام، ولكن يوم الدين يظهر فيه ملكه بلا منازع ولا معارض، ولا يدعي أحد مع الله عز وجل ملكاً يوم القيامة لا اسماً ولا صفة، لا على سبيل العارية المستردة ولا على سبيل الحقيقة، ولا تخدع أحدٌ نفسه يوم القيامة حتى يتسمى بالمالك أو بالملك، وينادي ربنا عز وجل: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ) [غافر:١٦]، فيجيب نفسه سبحانه وتعالى: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر:١٦]، فهو المالك الحق لكل ما في هذا الوجود، وهذا يقتضي شهود فقر العباد وعجزهم، وعدم طلب شيء من أيديهم، كما قال سبحانه وتعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر:١٣ - ١٤]، والقطمير: هو الغلافة الرقيقة التي على نواة البلحة، هذه الغلافة الرقيقة لا يملكها أحد من دونه سبحانه وتعالى، فكيف يدعى أحد من دونه؟ وكيف يسأل؟ ولذا كان أصل سؤال الخلق ممنوعاً منه، ولا يجوز فيما يقدرون عليه مما خولهم الله وأعطاهم إلا للضرورة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال المسألة بأحدهم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم (يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع، وما سوى ذلك فسحتاً يأكلها صاحبها).

فلا يجوز سؤال الناس إلا للضرورة، بل رغب النبي صلى الله عليه وسلم طائفة خاصة من أصحابه ألا يسألوا الناس شيئاً على الإطلاق، وأسر ذلك، فبايعهم على كلمة أخفاها وهي: ألا يسألوا الناس شيئاً.

وكانوا قلة من أصحابه، فكان أحدهم ربما سقط السوط من يده فينزل من على بعيره ويأخذ سوطه حتى لا يقول لأحد ناولنيه، فلا يسأل الناس شيئاً على الإطلاق وذلك من كمال التوحيد الأفضل والأعلى فلا يحتاج إلى أحد، ولا يتعلق قلبه ولا لسانه بشيء من الخلق، بل ينزل حاجته بالله سبحانه وتعالى، وقد يقدر الله على عبده المؤمن ما تنقطع به الأسباب حتى يفرد ربه بشهود ملكه، وبالسؤال، والتضرع، وطلب كل حاجته منه سبحانه وتعالى؛ لأنه ربما لا يحقق كمال التوحيد مع وجود الأسباب، وأكثر الخلق إذا وجدت الأسباب ظنوا لمن بيده هذه الأسباب نوعاً من الملك؛ فتعلقت قلوبهم به، فسألوه أو طلبوا منه أو رجوه أو خافوه، فعند ذلك يقع النقص في قلوبهم من جهة هذا المعنى من معاني توحيد الربوبية، وعندها يقدر الله لمن شاء من عباده أن يقطع عنهم الأسباب، وإن كان ذلك مكروهاً لهم، أو كان فيما يبدو لهم تضييقاً وتعسيراً عليهم، وهو في الحقيقة فتحاً لأبواب الخيرات لهم، فحين تيأس قلوبهم من الخلق جميعاً ومن أنفسهم، عند ذلك لا يكون لهم ملجأ إلا إلى الله، وهذا أمر مشهود معلوم يقدره الله كدليل على وحدانيته ليظهره سبحانه وتعالى حتى للمشركين قال الله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء:٦٧]، فكثير من الناس يعرض في وقت الرخاء، وفي وقت الشدة عندما تنقطع الأسباب يشهد حقيقة أن الله هو المالك الحق سبحانه وتعالى.

وقال عز وجل: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء:٥٦ - ٥٧]، فتأمل كيف قرن بين الخوف والرجاء، وبين شهود أن أحداً لا يملك كشف الضر ولا تحويلا، فشهود الملك لله سبحانه وتعالى يجعل العبد محباً خائفاً راجياً يبتغي إلى ربه القربة، ويبتغي رضوانه وفضله، ويرجو رحمته، ويخاف عذابه لأنه المالك الحق.

وقال سبحانه وتعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ:٢٢ - ٢٣]، وهذا في حق من يعبد الملائكة الذين هم عباد مكرمون عند الله عز وجل، فقد ظن المشركون أن لهم شفاعة يملكونها عند الله سبحانه وتعالى، فأخبر سبحانه وتعالى بأنهم لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، فنفى الملك المستقل، فربما ظن البعض أن له شريكاً، فقال: ((وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ))، فما من ذرة من ذرات هذا الكون إلا والله يملكها كلها، لا يشركه في ذرة منها أحد من المخلوقين، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي صالح، ولا شيطان رجيم، أو عدو لله سبحانه وتعالى ولأوليائه، ولا يملكها من هو دون ذلك كالمخلوقات المسخرة من شمس وقمر، أو من حجر وشجر، إذ عدم ملكهم ظاهر لكل عاقل يرى تحرك هذه الأشياء في الكون، ويرى عجزها وفقرها، وأنها مسخرة مدبرة يفعل الله عز وجل فيها ما يشاء، وإنما الذي يمكن أن ينسب إلى نفسه ملكاً هو الإنسان، وكذا الجن ربما ظنوا أن لهم ملكاً فكان النفي عنهم.

فنفى الله عز وجل الملك المستقل، ونفي المشاركة، ونفى المعاونة عن كل أحد يدعى من دون الله من ملك أو نبي أو ولي فضلاً عمن دونه؛ لأنه ربما ظن البعض أنهم لا يملكون على سبيل الاستقلال، ولا على سبيل الشركة، ولكن معاونة، وهذا فيما يتعلق بالملائكة كثير، فقد يعتقد كثير من الناس أن الملائكة تعاون الله عز وجل على تدبير الأمر، وليس الأمر كذلك قطعاً، قال عز وجل: ((وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ))، بل هم ينفذون أوامر الله بما أعطاهم من القدرة، فقدرتهم وقوتهم وعلمهم إنما هو هبة منه، وهو المالك لذلك سبحانه وتعالى.

{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:٢٦ - ٢٩]، فالله سبحانه هو الذي جعل الملائكة يعملون الأعمال التي كلفهم بها بقدرته، فأعطاهم ما بأيديهم من قوة، فمن جعله سبحانه وتعالى ذا قوة مكيناً عنده إنما هو محض فضله وعطائه، وهو المالك لذلك كله.

{لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم:٦٤]، فلله عز وجل ما بين أيديهم وما خلفهم، وله ما أعطاهم من أنواع القوة والقدرة، فهم لا يعاونون الله ولا يحتاج إلى معونتهم، فهو وحده المستعان، وهو الذي يعين عباده بما شاء، ويوفقهم ويقدرهم ويقويهم على ما شاء من أفعالهم.