للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[سبب نزول قوله تعالى: (وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم)]

الآية السادسة والسبعون من سورة البقرة قول الله عز وجل: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة:٧٦].

سبب نزول هذه الآية كما أخرج ابن جرير عن مجاهد رحمه الله قال: (قام النبي صلى الله عليه وسلم تحت حصونهم يوم قريظة فقال: يا إخوان القردة، ويا إخوان الخنازير، ويا عبدة الطاغوت.

فقالوا -أي: قال اليهود بعضهم لبعض-: من أخبر بهذا محمداً؟! ما خرج هذا إلا منكم، أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليكون لهم حجة عليكم).

فاليهود مسخ الله عز وجل طائفة منهم قردة؛ لأنهم مسخوا شرع الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى حرم عليهم الصيد في يوم السبت؛ ثم ابتلاهم بأنه كان في يوم السبت تأتيهم حيتانهم شرعاً، أي: منع الصيد فكثرت الحيتان، وكانت ترفع رءوسها تتراءى لهم، ثم في يوم الأحد كانت هذه الحيتان تختفي، فاليهود ما صبروا طويلاً، بل لجئوا إلى الحيلة، فكما يخادعون البشر أرادوا أن يخدعوا رب العالمين جل جلاله، فكانوا يأتون بالشباك، ويأتون بالحبل الطويل الذي ربط فيه الطوق، ويربطون طرفه بوتد على الشاطئ، وفي يوم السبت الذي حرم فيه الصيد كانوا إذا جاءت الحيتان رموا هذا الطوق لأنه مربوط على الشاطئ، ثم إذا غربت شمس السبت جروه وسحبوه وهم يضحكون، ويقولون: ما صدنا يوم السبت، فلما مسخوا شرع الله مسخهم الله عز وجل قردة وخنازير، هذه القصة كان اليهود يخفونها، بحيث لم يعرفها أحد، والله عز وجل قد قال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [المائدة:١٥]، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما حصلت خيانة اليهود يوم قريظة، ومالئوا الكفار من قريش وتميم وغطفان، {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب:٢٥] رجع إلى بيته، فخلع لأمته ووضع سلاحه، فنزل عليه جبريل فقال له: يا محمد! أو قد وضعت السلاح؟! فقال: نعم، قال له: فإن الملائكة لم تضع أسلحتها، وإني ذاهب إلى قريظة فمزلزل بهم الأرض فاتبعني.

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة) وخرج بنفسه عليه الصلاة والسلام، وأول ما وصل إلى حصونهم خاطبهم بهذا الكلام فقال: (يا إخوان القردة، يا إخوان الخنازير، يا عبدة الطاغوت) فهنا اليهود استغربوا، كيف عرف محمد صلى الله عليه وسلم هذه المعلومات الخطيرة، فقال بعضهم لبعض: ما خرج هذا إلا منكم، {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة:٧٦]، قال الله عز وجل: {أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة:٧٧] وهل تخفى على الله خافية في الأرض أو في السماء؟!