للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقلت: هذا قول عتبة «١» بن بجير الحارثي، ومعناه: أن العرب كانت إذا ضلت في سفر وصارت بحيث تظن انها قريبة من حلة نبحت لتسمعها الكلاب فتجيبها فيعرفون به موضع القوم فيقصدونه ويستضيفون فيضافون، فقال: إن قوما يتشبهون بالكلاب حتى يضافوا لقوم أدنياء النفوس، فوجمت بين يديه وأنا واقف وهو ينظر إليّ، وكان من عادتنا أنه ما دام ينظر إلى أحدنا لم يزل واقفا بين يديه حتى يردّ طرفه، قال ثم فكر فقال: لا بل إن أقواما يستنبحون في هذا القفر والمكان الجدب فيستضيفون فيضافون مع الإقلال والعدم لقوم كرام، وأمر لي بجائزة، فدعوت له وانصرفت.

قرأت بخط أبي الكرم المبارك بن الفاخر بن محمد بن يعقوب: قال لنا الرئيس أبو البركات جبر بن علي بن عيسى الربعي، قال لي أبي: أخرج إليّ عضد الدولة بيده مجلدا بأدم مبطن بديباج أخضر في أنصاف الشيطاني مذهب مفصول بالذهب بخطّ حسن فيه شعر مدبر وحش ليس له معنى، فقال لي: كيف ترى هذا الشعر؟ فقلت:

شعر مدبر، والذي قاله خرب البيت مسود الوجه، ثم مضى على ذلك زمان ودخلت إليه فأومأ إلى خادم وقال له: امض إلى مرقدنا وجئنا بشعرنا، فمضى وجاء بالمجلد بعينه وهو هو، فأبلست، فقال: كيف تراه؟ وتلجلج لساني وربا في فمي فقلت: حسنا جيدا مليحا «٢» ولم ير في «٣» ذلك شيئا بتة.

قرأت بخط الشيخ أبي محمد ابن الخشاب: جاريت الشيخ أبا منصور موهوب بن الجواليقيّ ذكر أبي الحسن علي بن عيسى بن صالح بن الفرج «٤» الربعي صاحب أبي علي الفارسيّ فأخذ في تقريظه وتفضيله وقال لي: كان يحفظ الكثير من أشعار العرب مما لم يكن غيره من نظرائه يقوم به، إلا أن جنونه لم يكن يدعه يتمكن منه أحد في الأخذ عنه والافادة منه. قال وقال لي الشيخ أبو زكرياء: سألت أبا القاسم ابن برهان فقلت له: يا سيدنا تترك الربعيّ والأخذ عنه مع إدراكك إياه وتأخذ عن أصحابه؟ فقال لي: كان مجنونا وأنا كما ترى، فما كنا نتفق. قال: ولقد مرّ يوما

<<  <  ج: ص:  >  >>