للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

تَعَالَى - يَشْهَدُ بِمَا أَوْحَاهُ إِلَى رَسُولِهِ ; إِذْ جَعَلَهُ مَقْرُونًا بِالْعِلْمِ الْأَعْلَى، مُنَزَّلًا عَلَى الْأُمِّيِّ الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّمْ شَيْئًا، وَخَتَمَ هَذَا بِبَيَانِ حَالِ مَنْ يَكْفُرُ بِهِ، وَغَايَتِهِ الَّتِي يَأُولُ إِلَيْهَا، وَدَعْوَةِ النَّاسِ كَافَّةً إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ. فَتَمَّ هَذَا السِّيَاقُ بِبِضْعِ آيَاتٍ.

ثُمَّ انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى النَّصَارَى وَإِبْطَالِ عَقِيدَةِ التَّثْلِيثِ، وَإِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، وَبَيَانِ مَا هُوَ الْمَسِيحُ، وَخَتْمِهَا بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَبَيَانِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ تَعَالَى بُرْهَانٌ، وَكِتَابَهُ نُورٌ، وَدَعْوَةِ النَّاسِ

كَافَّةً إِلَى الِاهْتِدَاءِ بِهِمَا، وَوَعْدِ مَنِ اعْتَصَمَ بِهَذَا الْكِتَابِ بِالرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ الْإِلَهِيَّيْنِ، وَهِدَايَةِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي يَصِلُ سَالِكُهُ إِلَى سَعَادَةِ الدَّارَيْنِ، وَهَذَا هُوَ خَتْمُ هَذِهِ السُّورَةِ الْحَكِيمَةِ الَّتِي بَيَّنَ اللهُ فِيهَا أُصُولَ الْحُكُومَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَأَهَمَّ فَرَائِضِهَا وَأَحْكَامِهَا، وَنَاهِيكَ بِأَحْكَامِ النِّسَاءِ وَالْأَهْلِ وَالْمَوَارِيثِ وَالنِّكَاحِ وَحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، وَالْإِيمَانِ وَالشِّرْكِ وَالتَّوْبَةِ وَالْقِتَالِ، وَشُئوُنِ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَدَحْضِ شُبُهَاتِهِمْ، فَهِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ الطِّوَالِ فَوَائِدَ وَأَحْكَامًا وَحُجَجًا.

وَأَمَّا الْآيَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْهَا، فَهِيَ ذَيْلٌ لِلسُّورَةِ فِي فَتْوَى مُتَمِّمَةٍ لِأَحْكَامِ الْفَرَائِضِ الَّتِي فِي أَوَائِلِهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا غَيْرَ مَرَّةٍ الْحِكْمَةَ فِي أُسْلُوبِ الْمَزْجِ فِي الْقُرْآنِ. وَأَمَّا فَائِدَةُ الْأَحْكَامِ أَوِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تُجْعَلُ ذَيْلًا أَوْ مُلْحَقًا لِكِتَابٍ أَوْ قَانُونٍ ; فَهِيَ أَنَّ الذِّهْنَ يَتَنَبَّهُ إِلَيْهَا أَفْضَلَ تَنَبُّهٍ، فَلَا يَغْفُلُ عَنْهَا كَمَا يَغْفُلُ عَمَّا يَكُونُ مُنْدَمِجًا فِي أَثْنَاءِ أَحْكَامٍ أَوْ مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ، فَكَأَنَّ جَعْلَ هَذِهِ الْآيَةِ مُفْرَدَةً عَلَى غَيْرِ فَوَاصِلِ السُّورَةِ يُرَادُ بِهِ تَوْجِيهُ النُّفُوسِ إِلَيْهَا لِئَلَّا تَغْفُلَ عَنْهَا، وَهَذَا الْأُسْلُوبُ صَارَ مَأْلُوفًا هَذَا الْعَصْرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أُمَمِ الْعِلْمِ، حَتَّى فِي الْمُرَاسَلَاتِ الْخَاصَّةِ يَجْعَلُونَ لِلرِّسَالَةِ ذَيْلًا يُسَمُّونَهُ حَاشِيَةً، كَمَا يَكُونُ مِمَّنْ نَسِيَ مَسْأَلَةً ثُمَّ تَذَكَّرَهَا بَعْدَ إِتْمَامِ الرِّسَالَةِ وَإِمْضَائِهَا بِكِتَابَةِ اسْمِهِ فِي آخِرِهَا، وَهُمْ يَتَعَمَّدُونَ ذَلِكَ كَثِيرًا ; لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْغَرَضِ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

(يقولُ مُحَمَّد رَشِيد مُؤَلِّفُ هَذَا التَّفْسِيرِ: قَدْ وَفَّقَنِي اللهُ - تَعَالَى - لِإِتْمَامِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ (١٣٣١هـ) وَإِيَّاهُ أَسْأَلُ أَنْ يُوَفِّقَنِي لِإِتْمَامِ تَفْسِيرِ كِتَابِهِ، وَيُؤَيِّدَنِي فِيهِ بِرُوحِ الْحَقِّ) .

<<  <  ج: ص:  >  >>