ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنِ وَمَلَئِهِ بِآيَتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ) .
هَذِهِ قِصَّةُ مُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ مَعَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ مُلَخَّصَةً هُنَا فِي ١٩ آيَةً مُفَصَّلَةً مُرَتَّبَةً كَمَا نُبَيِّنُهُ فِي تَفْسِيرِهَا، وَهَذِهِ الْأَرْبَعُ مِنْهَا فِي اسْتِكْبَارِ فِرْعَوْنِ وَمَلَئِهِ عَنِ الْإِيمَانِ وَزَعْمِهِمْ أَنَّ آيَاتِ اللهِ لِمُوسَى مِنَ السِّحْرِ، وَتَعْلِيلِ تَكْذِيبِهِمْ لَهُ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ اتِّبَاعَهُ تَحْوِيلٌ لَهُمْ عَنِ التَّقَالِيدِ الْمَوْرُوثَةِ عَنِ الْآبَاءِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَسْلُبُ سُلْطَانَهُمْ مِنْهُمْ وَيَنْفَرِدُ هُوَ وَأَخُوهُ بِمَا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِنَ الْكِبْرِيَاءِ فِي الْأَرْضِ، وَهَذَا بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قِصَّةِ نُوحٍ الْمُخْتَصَرَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَهَاكَ تَفْسِيرَهُنَّ بِالِاخْتِصَارِ:
(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) أَيْ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ - الَّذِينَ بَعَثْنَاهُمْ إِلَى أَقْوَامِهِمْ - مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنِ مِصْرَ وَأَشْرَافِ قَوْمِهِ الَّذِينَ هُمْ أَرْكَانُ دَوْلَتِهِ، وَإِلَى قَوْمِهِمُ الْقِبْطِ بِالتَّبَعِ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَعْبَدِينَ لَهُمْ يَكْفُرُونَ بِكُفْرِهِمْ، وَيُؤْمِنُونَ بِإِيمَانِهِمْ أَنْ آمَنُوا (بِآيَاتِنَا) أَيْ بَعَثْنَاهُمَا مُؤَيِّدَيْنِ بِآيَاتِنَا التِّسْعِ الْمُفَصَّلَةِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَغَيْرِهَا (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) أَيْ فَاسْتَكْبَرَ فِرْعَوْنُ وَمَلَؤُهُ، أَيْ أَعْرَضُوا عَنِ الْإِيمَانِ كِبْرًا وَعُلُوًّا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ سَعَةِ الْعِلْمِ وَصِنَاعَةِ السِّحْرِ، وَكَانُوا
قَوْمًا رَاسِخِينَ فِي الْإِجْرَامِ وَهُوَ الظُّلْمُ وَالْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْلِ: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (٢٧: ١٤) .
(فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ) وَهُوَ آيَاتُنَا الدَّالَّةُ عَلَى الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ (مِنْ عِنْدِنَا) وَوَحْيِنَا
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://shamela.ws/page/contribute