للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومنها التفرقةُ بالتأنيث لِمَا لم يؤنِّثوا من قبل. فقد جعل المتأخرون من العرب علامةَ التأنيث في زوجة إذا أريد بها المرأة، مع أن حقَّه أن لا يؤنث؛ لأنه وصفٌ باسم العدد، وهو الزوج ضد الفرد، كما تقدم، قال تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: ٣٥]. ولكنهم لمَّا وجدوا التفاسدَ في هذا الإطلاق، ابتدؤوا يُدخلون علامةَ التأنيث على وصف المرأة، فقال الفرزدق:

وإنَّ الذِي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ... كَسَاعٍ إِلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا (١)

وقال ذو الرمة:

أَذُو زَوْجَةٍ بِالمِصْرِ أَمْ ذُو خُصُومَةٍ ... أَرَاكَ لَهَا بِالبَصْرَةِ العَامَ ثَاوِيَا (٢)

وكلاهما حجةٌ في العربية، ولذلك اعتمد الفقهاء على هذه التفرقة لشدة حاجتهم إليها.

وأما الفروق الكتابية، فمنها تفرقتُهم بين عضَّه الكلب وعظّه الدهر، فجعلوا الأولَ بالضاد الساقطة والثاني بالمشالة، مع أن الثاني مأخوذٌ من الأول، ذكره ابن عطية عند قوله تعالى: {عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [آل عمران: ١١٩] (٣). وكذلك وزن فاعل


(١) البيت من قصيدة قالها الشاعر في قصة زواجه من نوار بنت أعين بن ضبيعة ثم استعدائها ابن الزبير عليه، وطالعها:
لَعَمْرِي فَقَدْ أَرْدَى نَوَارَ وَسَاقَهَا ... إِلَى الغَوْرِ أَحْلَامٌ قَلِيلٌ عُقُولُهَا
وقد جاء أول البيت في الطبعة التي اعتمدنا عليها بلفظ: "فَإِنَّ أمْرأً يَسْعَى يُخَبِّبُ زَوْجَتِي". ديوان الفرزدق، نشرة بعناية إيليا حاوي (بيروت: دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة، ط ١، ١٩٨٣)، ج ٢، ص ١٧٧. ومعنى يستبيلها: يأخذ بولها في يده. ومعنى البيت أن الوصولَ إلى زوجه وإفسادَها عليه أمرٌ مستحيل.
(٢) البيت من قصيدة من بحر الطويل بعنوان "أبوك الأغر". ديوان ذي الرمة، تحقيق أحمد حسن بسج (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٥/ ١٩٩٥)، ص ٢٨٩.
(٣) ذكر ابن عطية أن قوله تعالى في الآية المذكورة "عبارة عن شدة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه"، وأورد لذلك بعض الشواهد الشعرية، ثم قال: "وهذا العض هو بالأسنان، وهي هيئة في بدن =

<<  <  ج: ص:  >  >>