للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رجلَ سوء، أخرجوه عني". (١) وعن سفيان الثوري أنه سئل عن الآية فقال: "فعل فعلًا في العرش سماه استواء". (٢)

[[الخلف وتأويل المتشابه]]

ثم طلع الشكُّ بقرنه في نفوس مَنْ لم يزنوا الإيمان حقَّ وزنه، فاضطر المتكلمون من أئمة الإسلام - فيما اضطروا إليه من تبيين حقائق الصفات وتعلقاتها - إلى أن يخوضوا في الآيات وتأويل متشابهاتها، إقناعًا للمرتاب، وإقماعًا لِمَنْ جاء يفتح لإلحاده الباب، ولم يرَوْا عملَهم هذا مخالفًا لِمَا درج عليه السلف. ولكنهم رأوا السلفَ سلكوا التأويلَ بإجمال، ورأوا أنفسَهم في حاجة إلى تفصيل التأويل. ورأوا أن كلتا الطريقتين تأويل، وفسروا قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، بمعنى عطف قوله: "والراسخون" على اسم الجلالة.


(١) جاءت حكايةُ هذه الحادثة براويات وطرق مختلفة اللفظ متفقة المعنى. من ذلك ما أورده صاحب الحلية عن جعفر بن عبد الله قال: "كنا عند مالك، فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته. فنظر إلى الأرض، وجعل ينكت بعود في يده حتى علاه الرُّحَضاء - يعني العرق - ثم رفع رأسه ورمى بالعود وقال: الكيف منه غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحبَ بدعة. وأمر به فأُخْرج". الأصفهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢٣/ ٢٠٠٢)، ج ٦، ص ٣٥٥؛ البيهقي: الأسماء والصفات، ص ٢٧٩؛ البيهقي: الاعتقاد، ص ٥٥؛ اليحصبي، القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض: ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تحقيق أحمد بكير محمود (بيروت: دار مكتبة الحياة ومكتبة الفكر، ١٩٦٧)، ج ١، ص ١٧٠ - ١٧١.
(٢) لم أتمكن من معرفة المصدر الذي نقل عنه المصنف هذا الكلام المنسوب لسفيان الثوري، وقد راجعتُ من أجل ذلك الكتب التي ترجمت له (ومنها حلية الأولياء للأصفهاني وسير أعلام النبلاء للذهبي)، فضلًا عن كتب التفسير بالمأثور كتفسير الطبري وتفسير ابن كثير. بل لم أجده في "تفسير سفيان الثوري" برواية أبي جعفر محمد عن أبي حذيفة النهدي عنه (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٣/ ١٩٨٣). على أن هذه العبارة هي عين ما نسبه البيهقي لأبي الحسن الأشعري فيما نقلناه قبل قليل من "كتاب الأسماء والصفات".

<<  <  ج: ص:  >  >>