للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الباب الثاني: الدولة العربية]

أتى في هذا الكتاب (١) على بيان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زعامته دينية محضة، وأنه بعد وفاته يتعين أن يكون لأتباعه زعامة بعده لكنها زعامة غير دينية بل سياسية. ولما كانت العرب يومئذ في حال نهوض فقد كان من المتعين أنهم يفكرون في إقامة مملكة، فأقاموا دولة عربية على أساس دعوة دينية، ولذلك اتفقوا على إقامة زعيم واختلفوا في الرضا بأبي بكر، فليست إمارة المسلمين مقامًا دينيًّا، ولكن أبا بكر له مقام ديني لأسباب كثيرة.

هذا حاصلُ كلامه (في صحيفة ٩٠ إلى ٩٤)، وقد بناه على ما توهمه من أن الدين شيء يختص بالنفوذ الروحي، ولذلك قال: "إن زعامة النبي - صلى الله عليه وسلم - دينية فقط". وقال: إن زعامة مَنْ بعده ليست دينية؛ لأن الزعامة الدينية انقضت بوفاة النبي، وكل هذا خطأ قد بيناه فيما تقدم. وقد ادعى أن اتفاق الصحابة على إقامة زعيم للأمة هو رأي سياسي، ومن علم شدة تعلق الصحابة بالدين ورفضهم كلَّ ما لا تعلقَ له بالدين علم أنهم ما أجمعوا على إقامة الخليفة إلا لعلمهم أنه أمرٌ مرتبط بإقامة الدين أتمّ ارتباط، إذ لا انفكاك بين الدين والحكومة في الإسلام كما قدمناه.

وأما اختلافهم في تعيين الخليفة من هو فذلك أمر من لوازم كل انتخاب، ولكن المهم هو أنهم لما عينوا أبا بكر لم يخالف فيه أحد، وأجمع عليه المسلمون إلا الذين خرجوا من ربقة الإسلام. ولقد ظهر سداد رأيهم بما قمع به أبو بكر أهلَ الردة وأرجعهم إلى الإسلام بعد أن كادت الجامعةُ أن تنتقض. ولم يكن سببُ الردة نزوعًا من العرب إلى عهدهم القديم؛ فإنه لو كان كذلك لكان أولى الناس به رؤساؤهم وأعيانهم مثل أبي سفيان. وإنما كان سببُ الردة أن كثيرًا من العرب الذين أسلموا بعد فتح مكة كانوا حديثي عهد بالإسلام، ولم يتمكن الإيمانُ من قلوبهم ولم


(١) الأوْلى أن يقول: الباب لا الكتاب؛ إذ الكلام عرض لما جاء في الباب الثاني من الكتاب الثالث.

<<  <  ج: ص:  >  >>