للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وكيف يقبح العطف بالفاء لو قلت: جاء زيد فصفعوه، ويزيدُ قبحًا لو قلت: جاء زيد فنهق الحمار، لبعد المناسبة (١). وكيف يحسن أن تقول: طلع الفجر فأذن المؤذن؟

وقول ابن زمرك (٢):

هَبَّ النَّسِيمُ عَلَى الرِّيَاضِ مَعَ السَّحَرْ ... فَاسْتَيْقَظَتْ فِي الدَّوْحِ أَجْفَانُ الزَّهَرْ (٣)

ويكون دونه حسنًا: "طلع الفجر فصاح الديك"، وكيف يقبح أن تقول: طلع الفجر فاستيقظ زيد إذا لم يكن الحديث قبل ذلك على زيد؟

إذا تحققت هذا، فاعلم أنه يتعين الوصلُ إذا أُريد تشريكُ الجملة المعطوفة للجملة المعطوف عليها في حكمها في الإعراب، كعطف الجمل المعمولة لعاملٍ واحد بعضها على بعض (٤)، أو التشريك في حكمها في المعنى وإن لم يكن للمعطوف عليها محلٌّ من الإعراب.


(١) لأن الصفع لا يترقب حصوله إثر المجيء، لكنه لتعلقه بزيد كان في رجائه مناسبة، فكان قبحه أضعف من قبح المثال الذي بعده. - المصنف.
(٢) هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد الصريحي (٧٣٣ - ٧٩٣) المعروف بابن زمرك، من كبار الشعراء والكتاب في الأندلس، كان وزيرًا لبني الأحمر. ولد بروض البيازين بغرناطة وتتلمذ على لسان الدين ابن الخطيب. ترقى في الأعمال الكتابية إلى أن جعله الغني بالله - صاحب غرناطة - أمينَ سره عام ٧٧٣ هـ، ثم عينه متصرفًا في رسالته وحجابته. أساء إلى بعض رجال الدولة، فبعث إليه حاكمه من قتله في داره، وقد قتل من وجد معه من خدامه وبنيه. وكان قد حرَّض على أستاذه لسان الدين ابن الخطيب حتى قتل ابن الخطيب خنقًا. وقد جمع السلطان ابن الأحمر شعر ابن زمرك وموشحاته في مجلد ضخم سماه "البقية والمدرك من كلام ابن زمرك"، رآه المقري في المغرب ونقل كثيرًا منه. وقد ترجم له في أزهار الرياض (ج ٢، ص ٧ - ٢٠٦) وأورد له جملة كبيرة من قصائده وموشحاته.
(٣) البيت طالع قصيدة من بحر الكامل أنشدها ابن زمرك في مدح السلطان الغني بالله ابن الأحمر. المقري التلمساني: أزهار الرياض، ج ٢، ص ٣٥ - ٣٨؛ الصريحي، محمد بن يوسف: ديوان ابن زمرك الأندلسي، تحقيق محمد توفيق النيفر (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط ١، ١٩٩٧)، ص ٤٠٩ - ٤١٢.
(٤) شرط هذا العامل أن يفيد حكمًا معتبرًا، فلذلك تعتبر الجمل المحكية بالقول كأنها لم يجمعها عاملٌ إعرابي، فلا يعطف الثانية منها على الأولى، وإنما تأخذ حكم الجمل حين نطق بها قائلها، =

<<  <  ج: ص:  >  >>