للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مَلأَها لَمِنْ زُلال شرف الرسول، وانبثاق لوامع برقها يُشام منها خيرُ غيث هطول؟ آثرتُ فيها جمعَ لُمعٍ كافية للذين تعلقت قلوبُهم بمحبته، وأخبار غير واهية الأساس من مختار عيون سيرته، إذ كان الله قد أغنى هذه الأمةَ عن التشبث بما ليس من محجة الثبوت، ولقنها أن تربأ عنه بإشارة قوله: {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ [لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ]} [العنكبوت: ٤١]. فكذلك ينبغي أن يكون المسلمون فيما يبتون من شؤونهم وأوضاعهم، وعلى ذلك الخلق حق تخلقُ علمائهم وأشياعهم، فإن هذا الدين ثريٌّ بما أمده الله من صحيح كثير، عن أن يُلفَّق له شاعبُ كلِّ منثلم أو كسير. فلا يحق لحملته أن يشوبوه بما يكدر منه صفوَ صفاته، وأن لا ينسوا ما خُصت به هذه الأمةُ من صحة بلوغ الدين ورواياته.

فعلى ذلك النِّير (١) قد سَدَيْتُ مُحكمَ هذا النسيج، وكذلك تفرعت أفنانُ هذه الشجرة الطيبة على ما انفتق عنه ذلك الوشيج. دعاني إليه الائتساء بأفاضل الأمة، الذين ألهمهم الله صرفَ الهمة إلى العناية بتعظيم اليوم الذي يوافق من كل عام، يوم ميلاد محمد رسوله عليه الصلاة والسلام؛ إذ كانوا قد عدوه عيدًا، ورموا برشيق نبل عقولهم بذلك مرمًى بعيدًا، علمناه من قوله تعالى في التنويه بشهر رمضان: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: ١٨٥].

فأيُّ يومٍ أسعدُ من يوم أظهر اللهُ فيه للعالم مولودًا كان المنقذَ من الضلالة، أخرج به الناس من ظلمات الشرك ومناقص الجهالة؟ وإذا كانت الأعيادُ الثابتة في الدين قد جاءت على مناسبة الفراغ من عبادات مشروعة، فذكرَى الواسطة العظمى في تبليغ ذلك يحق أن تكون مشيدةً مرفوعة. وأولُ مَنْ علِمتُه صرَفَ همتَه إلى


(١) النِّير: القصب والخيوط إذا اجتمعت، وعَلَم الثوب ولحمته؛ والنيرة: أداة من أدوات النساج ينسج بها وهي الخشبة المعترضة.

<<  <  ج: ص:  >  >>