للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فالمجاز إن كانت علاقتُه المشابهة سمي استعارة وإن كانت علاقتُه غير المشابهة سُمِّيَ مجازًا مرسلًا، وقد يختلط مجازُ اللزوم بالكناية. وأهم أنواع المجاز هو الاستعارة، لشدة عناية بلغائهم بالتشبيه وتنافسهم فيه منذ زمن امرئ القيس. ولذلك سموا ما لم يُبن على المشابهة بالمرسل؛ لأنه المطلقُ عن التشبيه المعتبر عندهم (١).

ولْنبْدَأْ بالكلام على المجاز المفرد، ثم نُتبعه بالمجاز المركب. أما المجازُ المفرد فقد تقدم تعريفُه. فالمجاز المرسل المفرد كإطلاق الأيادي على النعم في قوله: "أَيَادِي لَمْ تَمْنُنْ وَإِنْ هِيَ جَلَّتِ" (٢)، وإطلاق العين على الرقيب، وإطلاق اللسان على


= وَلَّى حَثِيثًا وَهَذَا الشَّيْبُ يَتْبَعُهُ ... لَوْ كَانَ يُدْرِكُهُ رَكْضُ اليَعَاقِيبِ
فجعل لليعاقيب - وهي ذكور الحجل - ركضًا. الثاني قول طرفة في المعلقة: "وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد"، فأطلق على لقائه لفظ الاصطياد. - المصنف. وبيت سلامة بن جُندل السعدي هو الأول من قصيدة من تسعة وثلاثين بيتًا مما اختاره أبو العباس المفضل بن محمد الضبي للمهدي بن المنصور. المفضليات، تحقيق عمر فاروق الطباع (بيروت: شركة الأرقم بن أبي الأرقم، ط ١، ١٤١٩/ ١٩٩٨)، ص ١٠٨. أما قول طرفة فهو عجز البيت الخامس والأربعين من معلقته، وتمامُه:
وَإِنْ تَبْغِنِي فِي حَلْقَةِ الْقَوْمِ تَلْقَنِي ... وَإِنْ تَقْتَنِصْنِي فِي الْحَوَانِيتِ تَصْطد
ومعنى البيت أنه حيثما طلبتني وجدتني، فأنا مرة في جماعة القوم أشهد أمرهم وأخوض معهم فيما فيه يخوضون، ومرة مع الشِّرب في نادي الشراب ألهو وأتنعم. والحوانيت بيوت الخمارين، وتُطلق كذلك على الخمارين أنفسهم. ديوان طرفة بن العبد، شرح الأعلم الأعلم الشمنتري، تحقيق درية الخطيب ولطفي الصقال (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط ٢، ٢٠٠٠)، ص ٤٢.
(١) هذا هو الوجه، ولا يصح قولُ مَنْ قال: إنه أرسل فلم يقيد بعلاقة خاصة لكثرة علاقاته؛ لأن هذا لا يسمى إرسالًا بل تكثيرًا؛ إذ الإرسال لا يكون إلا في مقابلة تقييد. - المصنف.
(٢) هذا عجز البيت الأول من مقطوعة (من بحر الطويل) في الشكر أوردها ابنُ قتيبة ولم ينسبها، واختلف مؤرخو الأدب والنقاد في نسبتها، فقيل هي لحمد بن سعيد الكاتب، ونسبت لإبراهيم بن العباس الصولي، وقيل: هي لأبي الأسود الدؤلي، ونسبها الأصفهاني إلى عبد الله بن الزبير الأسدي، وأنه قالها في مدح عمرو بن عثمان بن عفان، وقيل غير ذلك. وقد جاء فيها:
سَأَشْكُرُ عَمْرًا مَا تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي ... أَيادِي لَمْ تَمْنُنْ وَإِنْ هِيَ جَلَّتِ
فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنَى عَنْ صَدِيقِهِ ... وَلَا مُظْهِرُ الشَّكْوَى إِذَا النَّعْلُ زَلَّتِ =

<<  <  ج: ص:  >  >>