للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

صاحب المقامات لمَّا أُحضر من العراق لديوان الإنشاء ببغداد، وكُلِّف كتابةَ كتاب أُفحم، حتى قيل فيه:

شَيْخٌ لَنَا مِنْ رَبِيعَةِ الْفَرَسِ ... يَنْتفُ عُثْنُونَهُ مِنَ الْهَوَسِ

أَنْطَقَهُ اللهُ بِالْعِرَاقِ كَمَا ... أَلْجَمَهُ فِي بَغْدَاد بِالْخَرَسِ (١)


= قال الثعالبي: "وأخبرني ثقاتٌ منهم أبو القاسم علي بن محمد الكرخي، وكان شديدَ الاختصاص بالصاحب، أنه (أي الصاحب بن عباد) كان كثيرًا ما يقول: كُتَّابُ الدنيا وبلغاءُ العصر أربعة: الأستاذ ابن العميد، وأبو القاسم عبد العزيز بن يوسف، وأبو إسحاق الصابي، ولو شئتُ لذكرتُ الرابع - يعني نفسه". ثم قال الثعالبي: "أما الترجيح بين هذين الصادين - أعني الصاحب والصابي - في الكتابة، فقد خاض فيه الخائضون، وأخَبَّ المُخِبُّون، ومِنْ أشفى ما سمعتُهُ في ذلك أن الصاحب كان يكتب كما يريد، والصابي يكتب كما يؤمر، وبين الحالين بونٌ بعيد. وكيفما جرى الأمر، فهما هما، ولقد وقف فلكُ البلاغة بعدهما". الثعالبي: يتيمة الدهر، ج ٢، ص ٢٩٢؛ العباسي: معاهد التنصيص، ج ١، ص ١٥٥ - ١٥٦. ومع ذلك فإن الصاحبَ بن عباد حينما أراد المجانسة بين "قُمْ" (وهو فعل أمر) و"قُم" (الذي هو اسم مدينة) في قوله: "أيها القاضي بقُم قد عزلناك فقُمْ"، لم يواته معنى مطابق لمقتضى الحال بحيث يكون اللفظُ بليغًا مبينًا لعلة العزل، فجاء إنشاءُ العزل بدون سببٍ يستند إليه. وإنما جرَّ الصاحبَ إلى ذلك تطلُّبُ السجع، ولم يكن له من غرض في المعنى الذي أُدِّيَ في الكلام. فكان القاضي يقول إذا سئل عن سبب عزله: "أنا معزول السّجع من غير جرم ولا سبب". الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله: معجم البلدان (بيروت: دار صادر، ١٣٩٧/ ١٩٧٧)، ج ٤، ص ٣٩٨.
(١) قال ابن خلكان: "ورأيتُ في بعض المجاميع أن الحريري لما عمل المقامات كان قد عملها أربعين مقامة، وحملها من البصرة إلى بغداد وادعاها، فلم يصدقه في ذلك جماعة من أدباء بغداد، وقالوا: إنها ليست من تصنيفه، بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة مات بالبصرة ووقعت أوراقه إليه فادعاها. فاستدعاه الوزير إلى الديوان، وسأله عن صناعته، فقال: أنا رجل منشئ، فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عينها، فانفرد في ناحية من الديوان، وأخذ الدواة والورقة ومكث زمانًا كثيرًا فلم يفتح الله سبحانه عليه بشيء من ذلك، فقام وهو خجلان، وكان في جملة من أنكر دعواه في عملها أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر المقدم ذكره. فلما لم يعمل الحريري الرسالة التي اقترحها الوزير، أنشد ابن أفلح، وقيل إن هذين البيتين لأبي محمد بن أحمد المعروف بابن جكينا الحريمي البغدادي، الشاعر المشهور"، ثم ذكر البيتين اللذين أوردهما المصنف، وفيهما "بالمشان" بدل "العراق"، و"رماه" بدل "ألجمه"، و"الديوان" بدل "بغداد". وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٦٥. وانظر رواية للقصة مختلفة الحيثيات في البغدادي: خزانة الأدب، ج ٦، ص ٤٦٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>