للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

طِينٌ أَنَا وَهوَ مَاءٌ ... وَالطِّينُ فِي المَاءِ ذَائِبْ (١)

فقد أخذه من كونِ الإنسان طينًا والبحرِ ماءً، وذلك واضحٌ مشهور، ولكنه تنبه إلى الجمع بينهما، وذكر أثرَ اجتماعهما، فأحسن الاعتذار. ويسمى المعنى الحاصلُ بالابتكار عزيزًا وغريبا.

وأما البَداهةُ فهي أخذُ المعنى الواضح للعقل من وجدان ومشاهدة، ولا فضلَ فيه إلا لحسن التعبير ونباهة المعنى في إحاطته بملاحظة ما تجب ملاحظته. وقد يبلغ المعنى من دقة الوجدان ما يُلحقه بالمعاني المبتكَرة. وكلُّ هذا يظهر في الشعر الغرامي والتوصيفي وحكايات الأحوال، ومثالُه قولُ مَنِ اعتذر عن فراره من الزحف:

ألَا لَا تَلُمْنِي إِنْ فَرَرْتُ فَإِنَّنِي ... أَخَافُ عَلَى فَخَّارَتِي أَنْ تَحَطَّمَا

فَلَوْ أَنَّنِي فِي السُّوقِ أَبْتاعُ مِثْلَهَا ... وَحَقِّكَ مَا بَالَيْتُ أَنْ أَتَقَدَّمَا (٢)


(١) البيتان لعبد الجبار بن حمديس السرقوسي الأندلسي (٤٤٠ - ٥٢٧ هـ) من بحر المجتث، وفي مناسبتهما قصة حكاها هو نفسه فقال: "اجتمعت مع أبي الفضل جعفر بن المقترح الكاتب بسبتة، فذكر لي قول حسن بن رشيق يصف البحر:
الْبَحْرُ صَعْبُ المَذَاقِ مُرُّ ... لَا دَعَتْ حَاجَتِي إِلَيْه
أَلَيْسَ مَاءً وَنَحْنُ طِينٌ ... فَمَا عَسَى صَبْرُنَا عَلَيْه
فقال لي: يا أبا محمد، تقدر على اختصار هذا المعنى؟ فقلت: نعم، وأنشدته"، ثم ذكر البيتين. ديوان ابن حمديس، تصحيح إحسان عباس (بيروت: دار صادر، ١٩٦٠)، ص ٥٣٣ - ٥٣٤. وانظر كذلك: المقري: نفح الطيب، ج ٤، ص ٢٧١؛ النويري. نهاية الأرب في فنون الأدب، ج ١، ص ٢٣٧. وقد ألفينا تصحيفًا في البيت الأول فصححناه وفق ما في الديوان وما عند المقري والنويري.
(٢) البيتان لأبي دُلَامة زند بن الجَوْن، شاعر كوفي مولى لبني أسد، كان أبوه رفيقًا وأُعتق. كانت نشأته الأولى في آخر أيام بني أمية، ونبه شأنُه في عهد بني العباس. انقطع إلى الخلفاء العباسيين: أبي العباس السفاح، وأبي جعفر المنصور، والمهدي ومدحهم فأغدقوا عليه، وكان من خاصة الأمير روح بن حاتم المهلبي في بعض أيامه. كان ذا لطف ودعابة على ما فيه من سوء، كما ذكر أبو الفرج. وقصة البيتين أن أبا دُلامة كان مع أبي مسلم الخراساني في بعض حروبه مع بني أمية، فطلب رجلٌ =

<<  <  ج: ص:  >  >>