للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد بذل أبو تمام جهدَه في اللحاق بهم، فاختار من شعر العرب أفصحه وأدلّه على المعاني فيما اختار من كتابه المسمى بديوان الحماسة، واجتهد أن يأتي في شعره بمثل ذلك، فأصاب الاختيارَ وأخطأ الابتكار، حتى قيل: إن أبا تمام في اختياره أجودُ منه في شِعْرِه.

وأفضل أهل هذه الطبقة بشارُ بن برد، إذ كان قد نشأ في بادية الفصاحة من مواطن عقيل، ثم في مصر تهذيب الفصاحة وهو البصرَة، ثم في عصر شبوب الحضارة وبلوغ الذوق العربي نهاية مُرتقاه قبل التدلِّي إلى ما تدلَّى إليه الذوق العربي بعد ذلك بسبب الاختلاط.

ومن أجل هذا عُدَّ بشارٌ آخرَ المتقدمين وأولَ المتأخرين، ذلك الوصف الذي حلَّاه به أئمة الأدب. وتفسيرُه أن بشارًا قد جمع في شعره أفضلَ معاني الشعر العربي القديم ومعاني القرآن وكلامِ الفصحاء والذين جاؤوا عقب ظهور الإسلام وأجودَ ألفاظ العربية الفصيحة، وتطرق إلى وصف الحضارة الجديدة في أجلَى مظاهرها، فلم يفُتْه المتقدمون ولم يَفضُله المتأخرون، على أنك تجد في شعره صورًا من حالة العرب في الجاهلية، ومن حالة الحضارة الإسلامية الأولى، ومن حضارة الأمويين العربية الإسلامية المتهذبة، ومن حضارة الدولة العباسية العربية الإسلامية الفارسية. وفي العلم ما يحتويه شعره على ذلك من الألفاظ الصالحة للدلالة على المعاني التي تخطر في نفوس أصحاب هذه الحضارات الكبيرة، وما كان لأهلها من الأفكار والخواطر الكثيرة. وفي سعة علم بشار بالعربية ومستعمَلها عونٌ لمطالع شعره على التملِّي من فصيح اللغة.


= شَرِبْتُ خَمْرًا مِنْ خُمُورِ بَابِلِ ... فَصِرْتُ مِنْ عَقْلِي عَلَى مَرَاحِلِ
ويروى أنه قال: رحلت عيسًا من خمور بابل، ليكون أقوى في طريقة الاستعارة. وقال ابن الرومي:
أَلَا ذَكِّرَا نَفْسِي حَدِيثَ البَلَابِلِ ... بِمَشْمُولَةٍ صَفْرَاءَ مِنْ خَمْرِ بَابِلِ
وفي كتابي المبهج: ليس للبلابل كخمر بابل على غناء البلابل". الثعالبي النيسابوري، أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل: ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: دار المعارف، ١٩٨٥)، ص ٦١٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>