للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فيزدادوا إيذاء له ولأصحابه، وكان القوم لئاما فلم يفعلوا، بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويرمون عراقيبه بالحجارة، حتى دميت عقباه، وتلطّخت نعلاه، وسال دمه الزكي على أرض الطائف وزيد بن حارثة مولاه يدرأ عنه ويدفع حتى أصيب في وجهه بشجاج، وما زالوا بهما حتى ألجأوهما إلى حائط- بستان- لعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما فيه، فكره مكانهما لعداوتهما الله ورسوله، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل شجرة من عنب، فجلس فيه هو وصاحبه زيد، ريثما يستريحا من عنائهما، وما أصابهما، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، ولم يحركا ساكنا، ولعلهما كانا يتلذذان من هذا المشهد الذي شفى نفوسهما من الرسول، ولقي رسول الله المرأة القرشية التي من بني جمح، فقال لها: «ماذا لقينا من أحمائك» «١» ؟!

[تضرع ودعاء]

وفي هذه الغمرة من الأسى والحزن، والالام النفسية والجسمانية توجه الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى ربه بهذا الدعاء الذي يفيض إيمانا ويقينا، ورضى بما ناله في الله، واسترضاء لله، والذي لم أقف على مثيل له فيما قرأت، قال:

«اللهمّ إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟! أم إلى عدو ملّكته أمري؟! إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي.

أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والاخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك. لك العتبى «٢» حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله» رواه ابن إسحاق.


(١) أهل الزوج وأقاربه وهو جمع حمو.
(٢) العتبى: الاسترضاء.

<<  <  ج: ص:  >  >>