للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولما مرض سيدنا سعد بن أبي وقاص بمكة في حجة الوداع خاف أن يموت، فطمأنه الرسول وأشار له إلى أنه ستطول به الحياة، وقال: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم» رواه البخاري.

ولهذه المعاني كان النبي يرغّب أصحابه في سكنى المدينة، ولا يتحوّلون عنها إلا لضرورة، فقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أحرّم ما بين لابتي «١» المدينة: أن يقطع عضاهها «٢» أو يقتل صيدها» ، وقال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها «٣» وجهدها إلا كنت له شفيعا، أو شهيدا يوم القيامة، ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء» .

[الأنصار]

هم أولئك الذين استجابوا إلى الإسلام من أهل المدينة أوسها وخزرجها في بيعة العقبة الأولى والثانية، وقد كان يساكنهم بالمدينة جالية كبيرة من اليهود الذين نزحوا إليها من الشام مشردين مضطهدين، وكان بينهم وبين اليهود وقائع وحروب، فكانوا إذا انتصفوا من اليهود وأذلوهم قالوا لهم: لقد قرب عهد نبي يبعث من العرب وسننضوي تحت لوائه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما دعا النبي أهل المدينة في موسم الحج قالوا فيما بينهم: هذا هو الذي بشّرت به يهود، فلا يسبقنّكم إليه، فكان هذا من أسباب كرامة الله لهم بالمسارعة إلى الإسلام ونشره بالمدينة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية حروب وأيام مشهودة كيوم بعاث، ولذلك لما عرض النبي عليهم الإسلام قالوا: إنا تركنا قومنا وبينهم


(١) أي حرّتيها وهي الأرض ذات الحجارة السود.
(٢) جمع عضة شجر ذو شوك.
(٣) شدّتها من حر أو برد، أو جدب مثلا.

<<  <  ج: ص:  >  >>