للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا لغويا، في باب المسند والمسند إليه، في مسألة إسناد الفعل للفاعل الحقيقي، في مسألة الفسق سبب إضلال الله للكافرين، بدلالة الأسلوب.

وجه الاستنباط: إسناد الضلال إلى الله إسناد صحيح، لأن الله هو الفاعل الحقيقي له، وذلك أن الكفار لما أعرضوا عن الإيمان بالله تعالى وأغفلوا عقولهم عن النظر في الأمثال المضروبة في القرآن، صاروا في محنة وحيرة وضلال، ولا سبيل إلى الخروج من هذا التيه والضلال إلا بطاعة الله واتباع رسله، أما هؤلاء فقد خرجوا عن طاعة الله وعاندوا رسله فصار الفسق وصفا لهم، عندها اقتضت حكمة الله إضلالهم لعدم صلاحيتهم لهذا الهدى، وفي هذا تقرير لمنهج أهل السنة والجماعة في مسألة القدر، والرد على مخالفيهم، الذين يزعمون أن الله أضلهم عن الهدى.

قال أبو الحسين العمراني (١): "وأنه لما حرم الكفار الاهتداء والعقل في الأمثال المضروبة، خلق فيهم ضده وسماه إضلالاً، ولا يجوز حمل الإضلال هاهنا على إبطاله لأعمالهم لأنه يحتاج إلى إضمار الأعمال، ولا يجوز صرف الكلام عن ظاهره بغير دليل ولا ضرورة" (٢).

قال ابن سعدي: "هذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية، قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)} [سورة التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة [وضلالة] وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة [ورحمة] وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال.

ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منه تعالى، فقال: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ}، أي: الخارجين عن طاعة الله; المعاندين لرسل الله؛ الذين صار الفسق وصفهم؛ فلا يبغون به بدلا فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة" (٣).


(١) أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليماني، الشافعي، كان إمام زاهدا ورعا عالما عارفا بالفقه والأصول والكلام والنحو، ومن تصانيفه البيان، كتاب الانتصار في الرد على القدرية، توفي سنة ٥٥٨ هـ، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٧/ ٣٣٦).
(٢) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية (٢٢/ ٥).
(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (١/ ٤٧).

<<  <   >  >>