للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قال ابن عطية: "هذا أمر بالنظر والاستدلال، ثم عرف تعالى بمواقع الحجة، أي لو كان من كلام البشر لدخله ما في كلام البشر من القصور، وظهر فيه التناقض والتنافي الذي لا يمكن جمعه، إذ ذلك موجود في كلام البشر، والقرآن منزه عنه، إذ هو كلام المحيط بكل شيء علما" (١).

قال القرطبي: "دلت هذه الآية وقوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)، على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه، فكان في هذا رد على فساد قول من قال: لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنع أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب" (٢)، ومثله الشوكاني (٣).

[[عظم مهمة الرسل وتأييد الله لهم بأسباب النصر]]

قال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)} [سورة النساء: ٨٤]

١٨. قال الشيخ محمد رشيد -رحمه الله-: "ويؤخذ من الآية أن الله - تعالى - كلف نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقاتل الكافرين الذين قاوموا دعوته بقوتهم وبأسهم وإن كان وحده، وهي تدل على أنه أعطاه من الشجاعة ما لم يعط أحدا من العالمين، وسيرته -صلى الله عليه وسلم- تدل على ذلك" (٤).

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا عقديا، في باب الإيمان بالرسل، في مسألة عظم مهمة الرسل وتأييد الله لهم بأسباب النصر، بدلالة اللفظ.

وجه الاستنباط: الأمر في الآية يدل على وجوب قتال من يقاوم دعوة الحق، لأن الله أيّد رسله بكل وسائل النصر، وأن هذا الأمر متضمن لوسائل القوة والشجاعة التي أيد الله بها رسوله -صلى الله عليه وسلم- وسيرته في معاركه شاهدة على ذلك، ومن ذلك تحريض المؤمنين ودعوتهم لقتال أهل الباطل والضلال.

قال أبو جعفر: "يعني بقوله جل ثناؤه: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك)، فجاهد يا محمد، أعداء الله من أهل الشرك به (في سبيل الله)، يعني: في دينه الذي شرعه لك، وهو الإسلام، وقاتلهم فيه بنفسك، فأما قوله: (لا تكلف إلا نفسك) فإنه يعني: لا يكلفك الله فيما فرض عليك من جهاد عدوه وعدوك، إلا ما حمَّلك من ذلك دون ما حمَّل غيرك منه، أي: أنك إنما تُتَّبع بما اكتسبته دون ما اكتسبه غيرك، وإنما عليك ما كُلِّفته دون ما كُلِّفه غيرك" (٥).


(١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ٨٣).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٩٠).
(٣) فتح القدير (١/ ٥٦٧).
(٤) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٥/ ٢٤٨).
(٥) جامع البيان في تأويل آي القرآن، ت شاكر (٨/ ٥٧٩).

<<  <   >  >>