للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[[الفرق بين الهداية العامة والخاصة]]

قال تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)} [سورة آل عمران: ١٣٨]

١٢. قال الشيخ محمد رشيد -رحمه الله-: "وإيضاح النكتة في جعل البيان للناس كافة، والهدى والموعظة للمتقين خاصة هو بيان أن الإرشاد عام، وأما كونه هدى وموعظة للمتقين خاصة فهو أنهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقيقة، ويتعظون بما ينطبق عليهم من الوقائع فيستقيمون على الطريقة، هم الذين تكمل لهم الفائدة والموعظة لأنهم يتجنبون ويتقون نتائج الإهمال التي يظهر لهم أن عاقبتها ضارة، فليزن مسلمو هذا الزمان إيمانهم وإسلامهم بهذه الآيات" (١).

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا عقديا، في باب العبودية، في مسألة الفرق بين الهداية العامة والخاصة (هداية الإرشاد وهداية التوفيق)، بدلالة الألفاظ.

وجه الاستنباط: دلت الآية على الفرق بين الهداية العامة وهي هداية الإرشاد والهداية الخاصة وهي هداية التوفيق، فكل بيان عام في الكتب السابقة وقع على سنة الله المطردة في إقامة الحجة على جميع الناس المؤمنين والكافرين، وأما الهداية الخاصة فإنها لا تتحقق إلا لمن سلك طريق المهتدين وانتفع بما حصل للمكذبين، وسار على نهج المتقين فاهتدى بهديهم إلى الطريق الصحيح.

وقد أشار إلى هذا بعض المفسرين منهم ابن عطية فقال: "وقال قتادة في تفسير الآية: هو هذا القرآن جعله الله بيانا للناس عامة وهدى وموعظة للمتقين خاصة، قال القاضي: كونه بيانا للناس ظاهر، وهو في ذاته أيضا هدى منصوب وموعظة، لكن من عمي بالكفر وضل وقسا قلبه لا يحسن أن يضاف إليه القرآن، وتحسن إضافته إلى (المتقين) الذين فيهم نفع وإياهم هدى" (٢).

قال الرازي: "ولا بد من الفرق بين البيان وبين الهدى وبين الموعظة، لأن العطف يقتضي المغايرة فنقول فيه وجهان:

الوجه الأول: أن البيان هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت الشبهة حاصلة، فالفرق أن البيان عام في أي معنى كان، وأما الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي، وأما الموعظة فهي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين، فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان: أحدهما: الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى، الثاني: الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة.


(١) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٤/ ١١٨).
(٢) المحرر الوجيز (١/ ٥١٢).

<<  <   >  >>