للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة الظلم أعظم الذنوب وسبب إهلاك الظالمين، بدلالة التلازم.

وجه الاستنباط: لما كان الظلم هو أعظم الذنوب، وسبب للهلاك، وأن عذاب الاستئصال الذي حل بهؤلاء كان بسبب الظلم ناسب أن يبين هذا، فلذا وضع المظهر موضع المضمر، والظلم في الآية شامل للشرك أصلا ولغيره تبعا، ولشؤم الشرك وظلم النفس به وقع عليهم وعيد الله عز وجل بإهلاكهم وقطع دابرهم، ولا عاقبة حسنة لهم إلا بالعدل وأوله التوحيد.

قال أبو السعود: " {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} أي آخرهم بحيث لم يبق منهم أحد من دبره دبرا ودبورا أي تبعه ووضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم فإن هلاكهم بسبب ظلمهم الذي هو وضع الكفر موضع الشكر وإقامة المعاصي مقام الطاعات" (١).

قال أبو حيان: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا عبارة عن استئصالهم بالهلاك والمعنى: فقطع دابرهم ونبه على سبب الاستئصال بذكر الوصف الذي هو الظلم، وهو هنا الكفر والدابر التابع للشيء من خلفه يقال: دبر الوالد الولد يدبره، وفلان دبر القوم دبورا ودبرا إذا كان آخرهم" (٢).

وقال القرطبي: "وتضمنت هذه الآية الحجة على وجوب ترك الظلم، لما يعقب من قطع الدابر، إلى العذاب الدائم، مع استحقاق القاطع الحمد من كل حامد" (٣).

قال الألوسي: "الدابر الأصل ومنه قطع الله دابره أي أصله وأيّا ما كان فالمراد أنهم استؤصلوا بالعذاب ولم يبق منهم أحد، ووضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم" (٤).

قال أبو زهرة: " أي قطع الذين ظلموا عن آخرهم، وذلك بسبب ظلمهم، وظلمهم كان لأنهم أشركوا بالله تعالى: ( … إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ومن كان يشرك برب العباد لابد أن يظلم العباد، فمن الذي يتقوه من بعده. وظلموا أنفسهم؛ لأنه سبقت العظات والمعاملات ولم يعتبروا فاستحقوا ما نزل بهم" (٥).


(١) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (٣/ ١٣٤).
(٢) البحر المحيط في التفسير (٤/ ٥١٥).
(٣) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٤٢٧).
(٤) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (٤/ ١٤٤).
(٥) زهرة التفاسير (٥/ ٢٥٠٢)

<<  <   >  >>