للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[[العلم لا يتحقق إلا بالفقة في الأقوال دون الاغترار بالظواهر]]

قال تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)} [سورة النساء: ٧٨]

١٣. قال الشيخ محمد رشيد -رحمه الله-: "وفيه أنه يجب على العاقل الرشيد أن يطلب فقه القول دون الظواهر الحرفية، فمن اعتاد الأخذ بما يطفو من الظواهر دون ما رسب في أعماق الكلام وما تغلغل في أنحائه وأحنائه يبقى جاهلا غبيا طول عمره" (١).

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا أصوليا، في باب مقاصد الشريعة، في مسألة العلم لا يتحقق إلا بالفقة في الأقوال دون الاغترار بالظواهر، بدلالة التضمن.

وجه الاستنباط: فضيلة العلم مرتبطة بتحقق مقصد هذا العلم، ولا يتأتى هذا إلا بمعرفة مقصد النص أو الدليل، دون الاغترار بظواهر المعلومات، وأن يؤخذ هذا العلم من أصوله المعتبرة، وفق قواعده المعتبرة كذلك، وهذا هو معنى الفقه في الدين مما يعمق العقيدة الصحيحة، ويرفع الجهل، ويبقي الإنسان عالما لا جاهلا، أما من قنع بالظواهر بقي في عِماية وظل طول دهره غرا جاهلا بما يحيط به من نظم هذا العالم فهو الجاهل الحقيقي.

قال ابن كثير: "قال تعالى منكرا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب وقلة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم: {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} " (٢).

قال ابن عطية: "وبخهم بالاستفهام عن علة جهلهم، وقلة فهمهم وتحصيلهم لما يخبرون به من الحقائق" (٣).

وقال البيضاوي: "فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا يوعظون به، وهو القرآن فإنهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أن الكل من عند الله سبحانه وتعالى، أو حديثا ما كبهائم لا أفهام لها أو حادثا من صروف الزمان فيفتكرون فيه فيعلمون أن القابض والباسط هو الله سبحانه وتعالى" (٤).


(١) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٥/ ٢١٧).
(٢) تفسير القرآن العظيم، ت سلامة (٢/ ٣٦٢).
(٣) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ٨١).
(٤) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (٢/ ٨٥).

<<  <   >  >>