للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[[تحقق الإيمان بالفقة والنظر في الأدلة والبراهين]]

قال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)} [سورة البقرة: ١٧١]

٢٤. قال الشيخ محمد -رحمه الله-: "والآية صريحة في أن التقليد بغير عقل ولا هداية هو شأن الكافرين، وأن المرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به، فمن ربي على التسليم بغير عقل، والعمل ولو صالحا بغير فقه فهو غير مؤمن" (١).

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة تحقق الإيمان بالفقه والنظر في الأدلة والبراهين، بدلالة المفهوم.

وجه الاستنباط: من نعم الله على المؤمنين أن فتح لهم أبواب العلم وبين لهم طرق الفهم الصحيح بالنظر في الأدلة والتأمل فيها باستماع آيات الله ومشاهدة حججه الواضحة، ومتابعة رسله والإنقياد إليهم، فهؤلاء هم أصحاب العقول السليمة الذين فضلوا على البهائم بنعمة العقل، أما من عطل عقله واكتفى بالجمود على ما ألفه من قبل آبائه فإنه يصدق عليه هذا المثل، فلا فرق بينه وبينها إلا أنه معذب لعدم استجابته لما أمر الله به، ولا شك أن من دعي إلى الرشاد، ونهي عن اقتحام العذاب، وأمر بما فيه صلاحه وفلاحه، فعصى الناصح، وتولى عن أمر ربه، واقتحم النار على بصيرة، واتبع الباطل، أنه ليس من أهل الإيمان.

قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره لهؤلاء الكفار: فكيف أيها الناس تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم فتتركون ما يأمركم به ربكم، وآباؤكم لا يعقلون من أمر الله شيئا ولا هم مصيبون حقا ولا مدركون رشدا؟ وإنما يتبع المتبع ذا المعرفة بالشيء المستعمل له في نفسه، فأما الجاهل فلا يتبعه فيما هو به جاهل إلا من لا عقل له ولا تمييز" (٢)، وكذا قال أبو السعود (٣).

وقال ابن سعدي: "لما بين تعالى عدم انقيادهم لما جاءت به الرسل، وردهم لذلك بالتقليد، علم من ذلك أنهم غير قابلين للحق، ولا مستجيبين له، بل كان معلوما لكل أحد أنهم لن يزولوا عن عنادهم، فأخبر تعالى، أن مثلهم عند دعاء الداعي لهم إلى الإيمان كمثل البهائم التي ينعق لها راعيها، وليس لها علم بما يقول راعيها ومناديها، فهم يسمعون مجرد الصوت، الذي تقوم به عليهم الحجة، ولكنهم لا يفقهونه فقها ينفعهم، فلهذا كانوا صما لا يسمعون الحق سماع فهم وقبول، عميا لا ينظرون نظر اعتبار، بكما فلا ينطقون بما فيه خير لهم، والسبب الموجب لذلك كله، أنه ليس لهم عقل صحيح، بل هم أسفه السفهاء، وأجهل الجهلاء، فهل يستريب العاقل، أن من دعي إلى الرشاد، وذيد عن الفساد، ونهي عن اقتحام العذاب، وأمر بما فيه صلاحه وفلاحه وفوزه ونعيمه، فعصى الناصح، وتولى عن أمر ربه، واقتحم النار على بصيرة، واتبع الباطل، ونبذ الحق، أن هذا ليس له مسكة من عقل، وأنه لو اتصف بالمكر والخديعة والدهاء، فإنه من أسفه السفهاء" (٤).


(١) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٢/ ٧٧).
(٢) جامع البيان في تأويل آي القرآن (٣/ ٤٤).
(٣) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ٢٤٠).
(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (١/ ٨١).

<<  <   >  >>