للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[سنة الله في عاقبة المؤمنين وإهلاك الكافرين] قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [سورة آل عمران ٢٦] قال الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- وقد نظرنا فيما وقع للغابرين والحاضرين ومحصنا أسبابه فألفيناها ترجع إلى سنن مطردة، وبين بعض هذه السنن في نزع الملك ممن يشاء وإيتائه من يشاء، وبهذا يظهر وجه اتصال الآية بما قبلها وكونها بمثابة الدليل لقوله السابق (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ) [سورة آل عمران ١٢] فهي تتضمن تأكيد الوعد بنصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وغلب أعدائه من أهل الكتاب والمشركين (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة سنة الله في عاقبة المؤمنين وإهلاك الكافرين، بدلالة الجمع بين الآيات. وجه الاستنباط دلت الآية على أن من سنن الله المطردة في إيتائه الملك لمن يشاء ونزعه عمن يشاء أنها تابعة لمشيئة الله، ولا تنافي بين ما يجري الله من الأسباب الكونية والدينية من بقاء الملك وسبب حصوله أو زواله، فكلها تابعة للقضاء والقدر، وفق شروط ذكرها الله عز وجل وعلى رأسها العدل، الذي ينصر الله به الأمة الكافرة إذا قامت به، ويخذل الأمة المسلمة إذا تركته، واستدل الشيخ بعد هذا بتأكيد وعد الله، بزوال الكافرين ونصر المؤمنين المتقين، وذلك بنصر نبيه وغلبته على أعدائه بما ورد في الآية السابقة، (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)) [سورة آل عمران ١٢]، وفي هذا بشارة وتسلية وتحقيق لسنة الله عز وجل في الملك والتمكين. وقد انفرد الشيخ بهذا الربط بين الآيات، وهذا ما يعرف في مسائل علوم القرآن بمسألة المناسبة بين الآيات بالاتصال. قال ابن جرير وتعز من تشاء، بإعطائه الملك والسلطان، وَبسط القدرة له وتذلّ من تشاء بسلبك ملكه، وتسليط عدوه عليه بيدك الخير، أي كل ذلك بيدك وإليك، لا يقدر على ذلك أحد، لأنك على كل شيء قديرٌ، دون سائر خلقك، ودون من اتخذه المشركون من أهل الكتاب والأمِّيين من العرب إلهًا وربًّا يعبدونه من دونك (٢). قال البغوي وقوله تعالى وتعز من تشاء وتذل من تشاء، قال عطاء وتعز من تشاء المهاجرين والأنصار، وتذل من تشاء فارس والروم، وقيل تعز من تشاء محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حين دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها [قهرا على أهلها]، وتذل من تشاء أبا جهل وأصحابه، حتى جزت رؤوسهم وألقوا في القليب، وقيل تعز من تشاء بالإيمان والهداية [ودخول الجنة] (٣). قال ابن سعدي في قوله (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) وفيه الإشارة إلى أن الله تعالى سينزع الملك من الأكاسرة والقياصرة ومن تبعهم ويؤتيه أمة محمد، وقد فعل ولله الحمد، فحصول الملك ونزعه تبع لمشيئة الله تعالى، ولا ينافي ذلك ما أجرى الله به سنته من الأسباب الكونية والدينية التي هي سبب بقاء الملك وحصوله وسبب زواله، فإنها كلها بمشيئة الله لا يوجد سبب يستقل بشيء، بل الأسباب كلها تابعة للقضاء والقدر، ومن الأسباب التي جعلها الله سببا لحصول الملك الإيمان والعمل الصالح، التي منها اجتماع المسلمين واتفاقهم، وإعدادهم الآلات التي يقدروا عليها والصبر وعدم التنازع، قال الله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) الآية فأخبر أن الإيمان والعمل الصالح سبب للاستخلاف المذكور، وقال تعالى (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم) الآية وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) فأخبر أن ائتلاف قلوب المؤمنين وثباتهم وعدم تنازعهم سبب للنصر على الأعداء، وأنت إذا استقرأت الدول الإسلامية وجدت السبب الأعظم في زوال ملكها ترك الدين والتفرق الذي أطمع فيهم الأعداء وجعل بأسهم بينهم (٤).


(١) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٣/ ٢٢٣).
(٢) جامع البيان (٦/ ٣٠١).
(٣) معالم التنزيل في تفسير القرآن (١/ ٤٢٦).
(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص: ١٢٧).

<<  <   >  >>