للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[[دلالة النقل والعقل على التحسين والتقبيح العقلي]]

قال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)} [سورة الأعراف: ٢٨]

٣. قال الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله-: "فهذا القول تكذيب لهم من طريقي العقل والنقل، أما الأول فتقريره أن هذا الفعل لا خلاف بينكم وبيننا في أنه من الفحشاء أي أقبح القبائح، والله تعالى منزه بكماله المطلق الذي لا شائبة للنقص فيه أن يأمر بالفحشاء، وإنما الذي يأمر بها هو الشيطان الذي هو مجمع النقائص كما قال تعالى في آية أخرى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} [سورة البقرة: ٢٦٨] وهذا حجة على من ينكر الحسن والقبح العقلي في الأحكام الشرعية لأجل مخالفة من توسعوا في تحكيم العقل في ذلك، وأما طريق النقل فهو أن ما يسند إلى الله تعالى من أمر ونهي لا يثبت بمجرد الدعوى بل يجب أن يعلم بوحي منه تعالى إلى رسول من عنده ثبتت رسالته بتأييده تعالى له بالآيات البينات" (١).

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا أصوليا، في باب طرق الاستدلال، في مسألة دلالة النقل والعقل على التحسين والتقبيح العقلي، بدلالة النص.

وجه الاستنباط: دلت الآية على الطريقة الصحيحة لتفنيد كذب وافتراءات وأدلة أصحاب الفواحش وادعاءاتهم الباطلة، وذلك بطريقي دلالة العقل والنقل؛ فالعقل يستحيل عليه أن يستحسن أن الله يأمر بالفحشاء أو يقبل بها، لأن الله منزه بكماله المطلق ولا يمكن أن يأمر بهذا الأمر القبيح، وأيضا ليس لديهم دليل نقلي معتمد على الكتاب أو السنة يعتمدون عليه، وإنما هو مجرد تقليد لآبائهم في فعل هذه الفواحش، وفي هذا رد على من أنكر التحسين والتقبيح العقلي.

وقد ذكر بعض المفسرين المعنى العام للآية، وأنهم لا دليل لهم، ولم يتطرقوا لدلالة العقل والنقل عليها، ومنم ابن جرير حيث قال: "يقول الله جل ذكره لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (قل)، يا محمد، لهم: (إن الله لا يأمر بالفحشاء)، يقول: لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال ومساويها (أتقولون) أيها الناس، (على الله ما لا تعلمون)، يقول: أتروون على الله أنه أمركم بالتعرِّي والتجرد من الثياب واللباس للطواف، وأنتم لا تعلمون أنه أمركم بذلك" (٢).


(١) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٨/ ٣٣٣).
(٢) جامع البيان في تأويل آي القرآن، ت شاكر (١٢/ ٣٧٩).

<<  <   >  >>