للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا عقديا، في باب الفتن، في مسألة لشدة فتنة المال ومشقة بذله جعل الله الزكاة سببا عظيما لتحصيل رحمته، بدلالة التخصيص.

وجه الاستنباط: أهم أسباب تحصيل رحمة الله هو بذل المال، خاصة في فريضة الزكاة، ولما كان افتتان بني إسرائيل في المال وأنه يشق عليهم بذله، بين لهم أن هذه الفريضة هي الطريقة التي تعكس مفهوم الرحمة بكل معانيها، وتشمل كل أنواع السلوك الفاضل في التعامل مع البشر ومع سائر الكائنات، فلذا جاء التخصيص بها لتحصيل رحمة الله عز وجل.

قال ابن عطية: "قوله: {وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ} الظاهر من قوله يُؤْتُونَ أنها الزكاة المختصة بالمال وخصها هنا بالذكر تشريفا لها وجعلها مثالا لجميع الطاعات، وقال ابن عباس فيما روي عنه: ويؤتون الأعمال التي يزكون بها أنفسهم" (١).

قال البيضاوي: "ويؤتون الزكاة خصها بالذكر لإنافتها ولأنها كانت أشق عليهم، والذين هم بآياتنا يؤمنون فلا يكفرون بشيء منها" (٢).

وقال أبو حيان: "ويؤتون الزكاة، الظاهر أنها زكاة المال، وبه قال ابن عباس وروي عنه: ويؤتون الأعمال التي يزكون بها أنفسهم، وقال الحسن: تزكية الأعمال بالإخلاص انتهى، ولما كانت التكاليف ترجع إلى قسمين تروك وأفعال والأفعال قسمان راجعة إلى المال وراجعة إلى نفس الإنسان وهذان قسمان علم وعمل فالعلم المعرفة والعمل إقرار باللسان، وعمل بالأركان فأشار بالاتقاء إلى التروك وبالفعل الراجح إلى المال بالزكاة وأشار إلى ما بقي بقوله: {والذين هم بآياتنا يؤمنون} وهذه شبيهة بقوله {هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} " (٣).

[[ضرب الأمثال يثمر التفكر مبدأ العلم وطريق الحق وهو أقوى من الدلائل والحجج]]

قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)} [سورة الأعراف: ١٧٦]

١٥. قال الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله-: "والآية تدل على تعظيم شأن ضرب الأمثال في تأثير الكلام، وكونه أقوى من سوق الدلائل والحجج المجردة، ويدل على تعظيم شأن التفكر، وكونه مبدأ العلم وطريق الحق" (٤).


(١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ٤٦١).
(٢) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (٣/ ٣٧).
(٣) البحر المحيط في التفسير (٥/ ١٩٢).
(٤) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٩/ ٣٤٢).

<<  <   >  >>