للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقد أشار بعض المفسرين إلى مفهوم هذا المعنى كما قال ابن جرير: " (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، وإن مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحربَ، إما بالدخول في الإسلام، وإما بإعطاء الجزية، وإما بموادعة، ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح (فاجنح لها)، يقول: فمل إليها، وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه" (١)، ومثله البغوي (٢).

وقال الرازي: "واعلم أنه لما بين ما يرهب به العدو من القوة والاستظهار، بين بعده أنهم عند الإرهاب إذا جنحوا أي مالوا إلى الصلح، فالحكم قبول الصلح، قال النضر: جنح الرجل إلى فلان، وأجنح له إذا تابعه وخضع له، والمعنى: إن مالوا إلى الصلح فمل إليه" (٣)، وكذا قال البيضاوي، والنسفي، والقرطبي (٤)، وابن سعدي، وابن عاشور (٥).

[[بشارة المؤمنين بنصر الله لإيمانهم وصبرهم وفقههم فضلا منه لا ثمنا لجهادهم]]

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)} [سورة الأنفال: ٦٥]

١٠. قال الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله-: "ونكتة إيراد هذا الحكم بلفظ الخبر، الإشارة إلى جعله بشارة بأن المؤمنين الصابرين الفقهاء يكونون كذلك فعلا، وكذلك كانوا، كما ترى بيانه في تفسير الآية التالية" (٦).

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباط عقديا، في باب السنن، في مسألة بشارة المؤمنين بنصر الله لإيمانهم وصبرهم وفقههم فضلا منه لا ثمنا لجهادهم، بدلالة اللفظ.

وجه الاستنباط: إيراد الحكم بلفظ الخبر، يزيده يقينا وتحقيقا، فكان في الحكم بشارة للمؤمنين الذين صدقوا وصبروا ووفقوا، وهذا وعد وبشارة كذلك للمجاهدين في عصور هذه الأمة المتتابعة، فإن النصر من عند الله كما وعد، بعد تحقق شروطه الواجب استيفاؤها على المجاهدين، وقد تقرر أن نصر الله عز وجل فضل منه على عباده المجاهدين، وأن تحقيقهم لأسبابه سبب لتحققه وليس ثمنا لجهدهم في تحقيق أسبابه.


(١) جامع البيان في تأويل آي القرآن، ت شاكر (١٤/ ٤٠).
(٢) معالم التنزيل في تفسير القرآن (٢/ ٣٠٧).
(٣) مفاتيح الغيب (١٥/ ٥٠٠).
(٤) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (٣/ ٦٥)، مدارك التنزيل وحقائق التأويل (١/ ٦٥٤)، الجامع لأحكام القرآن (٨/ ٣٩).
(٥) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص: ٣٢٥)، التحرير والتنوير (١٠/ ٥٨).
(٦) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (١٠/ ٦٦).

<<  <   >  >>