للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة الموقن بالله لا يحل له أن يعود في ملة الكافرين، وهذا أمر بيد الله وحده، بدلالة الاقتضاء.

وجه الاستنباط: الموقن بالله حق اليقين الذي عرف الله وعرف شرعه كما يجب، يعلم يقينا أنه لا يحل له أن يترك ملته وشريعته الحق التي وفقه الله إليها، ثم يعود في ملة الكافرين الضالين، وأن هذا أمر بيد الله وحده، فهو الأعلم بحال عباده، وهو عز وجل من يقلب القلوب، فيثبت من يشاء على الحق بفضله، ويصرف من يشاء إلى الباطل بعدله وعلمه، ولا شك أن هذا كله بيد الله عز وجل، ومما يوجب تعلق القلوب بالله وحده دون سواه.

وإلى هذا أشار ابن جرير، فقال: "وما يكون لنا أن نرجع فيها فندين بها، ونترك الحق الذي نحن عليه (إلا أن يشاء الله ربنا) إلا أن يكون سبق لنا في علم الله أنّا نعود فيها، فيمضي فينا حينئذ قضاء الله، فينفذ مشيئته علينا (وسع ربنا كل شيء علما)، يقول: فإن علم ربنا وسع كل شيء فأحاط به، فلا يخفى عليه شيء كان، ولا شيء هو كائن، فإن يكن سبق لنا في علمه أنّا نعود في ملتكم، ولا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن، فلا بد من أن يكون ما قد سبق في علمه، وإلا فإنا غير عائدين في ملّتكم" (١).

وكذا قال البغوي: "وما يكون لنا أن نعود فيها، بعد إذ أنقذنا الله منها، إلا أن يشاء الله ربنا، يقول إلا أن يكون قد سبق لنا في علم الله ومشيئته أنا نعود فيها، فحينئذ يمضي قضاء الله فينا وينفذ حكمه علينا" (٢).

قال أبو السعود: " {إلا أن يشاء الله} أي إلا حال مشيئة الله تعالى أو وقت مشيئته تعالى لعودنا فيها وذلك مما لا يكاد يكون كما ينبئ عنه قوله تعالى {ربنا} فإن التعرض لعنوان لاربوبيته تعالى لهم مما ينبئ عن استحالة مشيئته تعالى لارتدادهم قطعا وكذا قوله تعالى بعد إذ نجانا الله منها فإن تنجيته تعالى لهم منها من دلائل عدم مشيئته لعودهم فيها وقيل معناه إلا أن يشاء الله خذلاننا وقيل فيه دليل على أن الكفر بمشيئته تعالى وأيا ما كان فليس المراد بذلك بيان أن العود فيها في حيز الإمكان وخطر الوقوع بناء على كون مشيئته تعالى كذلك بل بيان استحالة وقوعها كأنه قيل وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وهيهات ذلك بدليل ما ذكر من موجبات عدم مشيئته تعالى له" (٣).


(١) جامع البيان في تأويل آي القرآن، ت شاكر (١٢/ ٥٦٢).
(٢) معالم التنزيل في تفسير القرآن (٢/ ٢١٥).
(٣) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (٣/ ٢٥١).

<<  <   >  >>