للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قال القاسمي: "قال في (اللباب): إن قلت: قال في أول الآية ادعوا ربكم تضرعا وخفية وقال هنا وادعوه، وهذا هو عطف الشيء على نفسه، فما فائدة ذلك؟ قلت: الفائدة فيه أن المراد بقوله تعالى: ادعوا ربكم أي: ليكن الدعاء مقرونا بالتضرع والإخبات، وقوله وادعوه خوفا وطمعا أن فائدة الدعاء أحد هذين الأمرين، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء، والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء، وقيل: معناه كونوا جامعين في أنفسكم بين الخوف والرجاء في أعمالكم كلها، ولا تطمعوا أنكم وفيتم حق الله في العبادة والدعاء، وإن اجتهدتم فيهما" (١).

وقال ابن سعدي: " {وادعوه خوفا وطمعا} أي: خوفا من عقابه، وطمعا في ثوابه، طمعا في قبولها، وخوفا من ردها، لا دعاء عبد مدل على ربه قد أعجبته نفسه، ونزل نفسه فوق منزلته، أو دعاء من هو غافل لاه" (٢).

[[القصد من النصيحة صلاح المنصوح له لا الناصح]]

قال تعالى: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)} [سورة الأعراف: ٦٢]

٩. قال الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله-: "فعلم منه أن الأصل في النصيحة أن يقصد بها صلاح المنصوح له لا الناصح، فإن كان له فائدة منها وجاءت تبعا فلا بأس، وإلا لم تكن النصيحة خالصة" (٣).

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا أصوليا، في باب الأمور بمقاصدها، في مسألة القصد من النصيحة صلاح المنصوح له لا الناصح، بدلالة النص.

وجه الاستنباط: الناصح إذا قصد بنصيحته إصلاح من حوله تحقق له ما أراد، وهذا مطلب اجتماعي تربوي، في باب النصيحة، وفي هذا تربية للدعاة والمربين أن يقصدوا بنصحهم صلاح من حولهم ولا ينتظروا أن يعود عليهم ذلك النصح بنفع دنيوي أو معنوي.

وقد عرفت النصيحة بأنها: "كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا" (٤).

وأشار الإمام البغوي، إلى هذا فقال: "وأنصح لكم، يقال: نصحته ونصحت له، والنصح أن يريد لغيره من الخير ما يريد لنفسه" (٥).

وكذا الزمخشري، قال: "وأنصح لكم يقال نصحته ونصحت له، وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة وأنها وقعت خالصة للمنصوح له مقصودا بها جانبه لا غير، فرب نصيحة ينتفع بها الناصح فيقصد النفعين جميعا ولا نصيحة أمحض من نصيحة الله تعالى ورسله عليهم السلام" (٦)، ومثله الرازي، والنسفي، وأبو السعود (٧).


(١) محاسن التأويل (٥/ ١٠٥).
(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص: ٢٩٢).
(٣) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٨/ ٤٣٨).
(٤) صيانة صحيح مسلم (ص: ٢٢١)
(٥) معالم التنزيل في تفسير القرآن (٢/ ٢٠٢).
(٦) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٢/ ١١٥).
(٧) مفاتيح الغيب (١٤/ ٢٩٧)، مدارك التنزيل وحقائق التأويل (١/ ٥٧٦)، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (٣/ ٢٣٦).

<<  <   >  >>