للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقال ابن سعدي: " {وهم فيها لا يبخسون} أي: لا ينقصون شيئا مما قدر لهم، ولكن هذا منتهى نعيمهم" (١).

قال ابن عاشور: "وقوله: {وهم فيها لا يبخسون} أي في الدنيا لا يجازون على كفرهم بجزاء سلب بعض النعم عنهم بل يتركون وشأنهم استدراجا لهم وإمهالا، فهذا كالتكملة لمعنى جملة نوف إليهم أعمالهم فيها، إذ البخس هو الحط من الشيء والنقص منه على ما ينبغي أن يكون عليه ظلما" (٢).

[[خطورة الظلم والشرك أعظم الظلم]]

قال تعالى: {وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)} [سورة هود: ٤٤]

٣. قال الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله-: "ولكنك ترى في هذه الآية من تأثير تقبيح الظلم والوعيد عليه نوعا لا تجده في غيرها، لأن حادثة الطوفان أكبر ما حدث في الأرض من مظاهر سخط الله - تعالى - على الظالمين، وقد علم من أول القصة أنها عقاب للظالمين، بيد أن إعادته في هذه الآية عقب تصوير حادثة الطوفان بارزة في أشد مظاهر هولها، وإشعار القلوب عظمة الجبار العزيز الحكيم في الفصل فيها، بما تتلاقى فيها نهايتها ببدايتها، والتعبير عن هذه النهاية بالدعاء على الظالمين بالبعد والطرد الذي يحتمل عدة معان مذمومة شرها الطرد من رحمة الله - تعالى -، يمثل لك هؤلاء الظالمين من قوم نوح بصورة تمثال من الخزي واللعن والرجس، لا ترى مثله في أمثالهم من أقوام الأنبياء، على ما تراه في التعبير عنها بالعبارات الرائعة في البلاغة وعلو الأسباب" (٣).

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا عقديا، في باب الشرك، في مسألة خطورة الظلم، والشرك أعظم الظلم، بدلالة اللفظ.

وجه الاستنباط: الظلم والشرك من الأمور العظيمة التي لا تكون إلا عن قصد من فاعلها، فكان التعبير بهذه الصورة لبيان خطورته، وتنبيها وتعريضا بسالكيه، وربط صورة من صور أشد العذاب بهذا الشرك والظلم، فهو عام وليس خاصاً بقوم نوح، ولكن هذا الوصف بين قوم نوح بصورة تمثال من الخزي واللعن والرجس بسبب الظلم الذي تأصل فيهم.

قال الزمخشري: "وقيل بعدا يقال بعد بعدا وبعدا، إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، ولذلك اختص بدعاء السوء ومجيء أخباره على الفعل المبنى للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء، وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر، وتكوين مكون قاهر، وأن فاعلها فاعل واحد لا يشارك في أفعاله، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعى، ولا أن يقضى ذلك الأمر الهائل غيره، ولا أن تستوي السفينة على متن الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره" (٤)، ومثله قال البيضاوي (٥).


(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص: ٣٧٩).
(٢) التحرير والتنوير (١٢/ ٢٤).
(٣) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (١٢/ ٦٨).
(٤) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٢/ ٣٩٨).
(٥) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (٣/ ١٣٦).

<<  <   >  >>