للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قال ابن عاشور: "وجعل ما يحصل للمسلمين فتحا لأنه انتصار دائم، ونسب إلى الله لأنه مقدره ومريده بأسباب خفية ومعجزات بينة. والمراد بالكافرين هم المشركون من أهل مكة وغيرهم لا محالة، إذ لا حظ لليهود في الحرب، وجعل ما يحصل لهم من النصر نصيبا تحقيرا له، والمراد نصيب من الفوز في القتال" (١).

قال أبو زهرة: "عبر عن النصر في جانب المؤمنين بأنه فتح؛ لأن الفتح فصل بين الحق والباطل، ولأنه من وراء نصر المؤمنين فتح الطريق لكي يدرك الناس الإسلام، ويدخل فيه من أراد، ولأن النصر للمؤمنين دائم، وقد عبر سبحانه عن الفتح أنه يجيء من الله وفي ذلك معنى الدوام؛ لأن الذي يجيء به هو الله القائم على كل شيء فهو باق ما بقيت الأسباب التي تتخذ للنصر" (٢).

[[الوعد بالجزاء في كل آية على جميع ما ذكر فيها من أعمال]]

قال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)} [سورة النساء: ١٤٩]

٢٦. قال الشيخ محمد رشيد -رحمه الله-: "وإنما ذهبنا إلى أن كلمة (قَدِيرًا) قد أفادت بوضعها هنا الدلالة على عظم الجزاء على العمل الذي رغبت فيه الآية، وعلى استحباب العفو مع القدرة، ولم نقصرها على الأمر الثاني وحده كما فعل بعضهم، لأن الأصل في الوعد بالجزاء أن يكون في كل آية أو سياق على جميع ما ذكر فيها من الأعمال، وفي هذه الآية ذكر إبداء الخير وإخفائه والعفو عن المسيء فلا يصح أن يكون الوعد خاصا بالأخير منها" (٣).

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا في علوم القرآن، في باب علوم الآية، في مسألة الوعد بالجزاء في كل آية على جميع ما ذكر فيها من أعمال، بدلالة السياق.

وجه الاستنباط: في لفظ (قديرا) دلالة على عظم الجزاء على هذه الأعمال التي رغبت الآية فيها من إبداء الخير أو إخفائه والعفو عن المسيء، وذلك اعتمادا على الأصل في الوعد بالجزاء على جميع الأعمال، فلا يصح قصر معنى خاتمتها في الآية على بعض الأعمال الواردة في الآية.

وقد أشار جمع من المفسرين إلى معنى القصر للفظ قدير، ولم يتعرضوا للمعنى العام كما عبر عنه الشيخ ومن ذلك ما قال ابن جرير: " (قديرًا)، يقول: ذا قدرة على الانتقام منهم، وإنما يعني بذلك: أن الله لم يزل ذا عفو عن عباده، مع قدرته على عقابهم على معصيتهم إيّاه، يقول: فاعفوا، أنتم أيضًا، أيها الناس، عمن أتى إليكم ظلمًا، ولا تجهروا له بالسوء من القول، وإن قدرتم على الإساءة إليه، كما يعفو عنكم ربكم مع قدرته على عقابكم، وأنتم تعصونه وتخالفون أمره" (٤)، ونحوه عند ابن كثير (٥).


(١) التحرير والتنوير (٥/ ٢٣٧).
(٢) زهرة التفاسير (٤/ ١٩١٣).
(٣) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٦/ ٧).
(٤) جامع البيان في تأويل آي القرآن، ت شاكر (٩/ ٣٥١).
(٥) تفسير القرآن العظيم، ت سلامة (٢/ ٤٤٤).

<<  <   >  >>