للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[[تذكير الله للناس جميعا أن المرجع إليه وهو الحكم فيما اختلفوا فيه]]

قال تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)} [سورة آل عمران: ٥٥]

٣. قال الشيخ محمد رشيد -رحمه الله-: "فيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب، وبذلك يشمل المسيح والمختلفين معه ويشتمل الاختلاف بين أتباعه والكافرين به، والله هو الذي يبين لهم جميعا يوم الحساب الحق في كل ما اختلفوا فيه بما يزيل شبه المشتبهين ورياء الجاحدين" (١).

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا عقديا، في باب توحيد الربوبية، في مسألة تذكير الله للناس جميعا أن المرجع إليه وهو الحكم فيما اختلفوا فيه، بدلالة الألفاظ.

وجه الاستنباط: بعد أن فرق الله بين أتباع عيسى وبين مخالفيه بالكفر والعناد، انتقل بأسلوب الالتفات من الغيبة إلى مخاطبة جميع المكلفين من عهد عيسى عليه السلام إلى عهد نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ليبين لهم أن مآلكم جميعا أيها المختلفون في عيسى، أو من اختلفت مشاربهم في الكفر على مر الزمان، أن الله جامعكم ومحيط بكم في يوم المحاسبة والمجازاة على الأعمال، الحسنة بالإحسان والسيئة بالعذاب الأليم، فلا ينفع رياء ولا جحود في ذلك اليوم، وفي هذا رد كما أشار الشيخ على من له شبهة في هذا، كالدهريين من كفار مكة.

وممن قال بهذا ابن جرير: "وهذا من الكلام الذي صُرف من الخبر عن الغائب إلى المخاطبة، وذلك أن قوله: {ثم إليَّ مرجعكم}، إنما قُصد به الخبرُ عن متَّبعي عيسى والكافرين به" (٢).

قال البيضاوي: " {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} الضمير لعيسى عليه الصلاة والسلام ومن تبعه ومن كفر به، وغلب المخاطبين على الغائبين" (٣).

وقال أبو حيان: " {وجاعل الذين اتبعوك} الكاف: ضمير عيسى كالكاف السابقة، وقيل: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو من تلوين الخطاب، انتهى هذا القول، ولا يظهر، ومعنى اتبعوك: أي في الدين والشريعة، وهم المسلمون، لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع، وقال الجمهور: بعموم المتبعين، فتدخل في ذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم، نص عليه قتادة، وبعموم الكافرين" (٤).


(١) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٣/ ٢٦٢).
(٢) جامع البيان في تأويل آي القرآن (٦/ ٤٦٤).
(٣) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (٢/ ١٩).
(٤) البحر المحيط (٣/ ١٧٨)

<<  <   >  >>