للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الدين عند الله الإسلام وهو دين كل الرسل] قال تعالى (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)) [سورة آل عمران ٥٢] قال الشيخ محمد رشيد -رحمه الله- في هذا دليل على أن الإسلام دين الله على لسان كل نبي وإن اختلفوا في بعض صوره وأشكاله وأحكامه وأعماله (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا عقديا، في باب توحيد الألوهية، في مسألة الدين عند الله الإسلام وهو دين كل الرسل، بدلالة اللفظ. وجه الاستنباط شهادة الحواريين لعيسى عليه السلام وإقرارهم له بالانقياد لأوامر الله ونواهيه دليل على أن الإسلام الذي يرتضيه الله عز وجل هو (الاستسلام لله) بالذل والخضوع لله تعالى، بإفراده بالربوبية، والخلق، والتدبير، وإفراده تعالى بالألوهية بجميع أنواع العبادة، فهو دين واحد من عهد آدم إلى قيام الساعة، وهو الذي خلق الخلق لأجله قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [سورة الذاريات ٥٦]، أما الشرائع فقد اختلفت بين الأمم ووفق ما يحقق مصالحهم الدينية والدنيوية. وعلى هذا سار المفسرون ومنهم ابن جرير فقال هذا خبر من الله أن الإسلام دينه الذي بعث به عيسى والأنبياء من قبله لا النصرانية ولا اليهودية، وتبرئةٌ من الله لعيسى ممن انتحل النصرانية ودان بها، كما برّأ إبراهيم من سائر الأديان غير الإسلام (٢). وقال الرازي فيه قولان الأول المراد واشهد أنا منقادون لما تريده منا في نصرتك، والذب عنك، مستسلمون لأمر الله تعالى فيه الثاني أن ذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام، وأنه دين كل الأنبياء صلوات الله عليهم (٣). وقال ابو حيان ودلّ ذلك على أن عيسى عليه السلام كان على دين الإسلام، برأه اللّه من سائر الأديان كما برأ إبراهيم بقوله (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [سورة آل عمران ٦٧] (٤). وقال ابن سعدي وهذا من منة الله عليهم، وعلى عيسى، حيث ألهم هؤلاء الحواريين، الإيمان به، والانقياد لطاعته، والنصر لرسوله (٥).


(١) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٣/ ٢٥٨)
(٢) تفسير جامع البيان ٦/ ٤٥١
(٣) مفاتيح الغيب (٨/ ٢٣٤).
(٤) البحر المحيط (٣/ ١٧٤).
(٥) تيسير الكريم الرحمن (ص: ٩٦٧).

<<  <   >  >>